القائمة الرئيسية

الصفحات

فارس العزوني - سيرة حياته ونضاله وصور نادرة

فارس العزوني - ابو معروف 1913ـ1941

 احد قادة الثورة الفلسطينية الكبرى 1936 وقائد فصيل الموت

ميلاده ونشأته:

 ولد الثائر فارس محمد الحواري في قرية عزون من قرى جبل نابلس،وقريته معروفة بمقاومة أبنائها للمستعمر،وفيها واجه الفلاحون وزعماء جبل نابلس كتيبة من الجيش الفرنسي حاولت احتلال التلال الجبلية أثناء غزو نابليون لفلسطين وسيره إلى مدينة عكا،و قتل الضابط الفرنسي دوماس على يد عابد مريحة العدوان (1).

ولد فارس في "خربة تبصر " من أعمال عزون ،وهي إحدى الخرب التي نزلها أهالي عزون بعد عام1810 ،ودعيت أيضاً "غابة عزون " والتي أقيمت على أراضيها مستعمرة رعنانيا وبجوارها مستعمرة كفار سابا،و قد دمرت خربة تبصر وأجبر أهاليها على الرحيل عام 1948 (2).



فارس العزوني | سيرة حياته ونضاله وصور نادرة


عاش فارس يتيماً، وتلقى تعليمه في مدرسة عزون ، ودرس فيها حتى الصف الرابع،وقد اعتنت والدته به ،وقد عمل في الزراعة والفلاحة وكانت والدته وإخوانه يديرون بيارة زرعت بالبرتقال .

عرف عنه ولعه المبكر بالسلاح ،وقد اعتقل مرات عديدة قبل بلوغه سن الرشد ، ،وحينما بلغ سن السادسة عشر من عمره،توجه إلى قرية المزيرعة من قرى قضاء اللد مع صديقه مصطفى غزال سويدان ، الذي يكبره سنا ، بهدف شراء بندقية، حيث وجد شخص تعّود بيع بندقيته للباحثين عن سلاح.

وكان يبيعها ومعها طلقات مغشوشة ،ثم يفاجئ من يشتريها* بعمل كمين ، وتحت تهديد السلاح يقوم باستردادها ، ويسلبه ما لديه من مال وتكرر هذا الأسلوب مع عدة أشخاص(3).

سمع فارس الحواري وصديقه مصطفى غزال بقصة هذا الرجل ، وحكاية سلاحه فاتفقا الحصول عليها مهما كان الثمن !

فتجهزا بطلقات احتياطية وذهبا إلى المزيرعة وحدث معهما كما يحدث مع الآخرين، واعترضهما خارج القرية فحّذراه من مغبة صنيعه،ولكنه لم يتراجع عندها أردياه قتيلا *(4) .

بعد التحاق فارس بالثورة عاد إلى قرية المزيرعة ، وقبل دخوله القرية أرسل مندوبين يستأذنون له بالدخول كزائر وضيف ،وأذن له أهلها بالدخول وأكل فيها وشرب ،وقاموا بإجراء مصالحة ، وتفهم أهل القرية حادثة القتل التي كان سببها ابن قريتهم .

حدثتني أرملة فارس السيدة عيشه جودة أنه حدثها :

" سجنت عدة مرات وخرجت من السجن ، توجهت إلى قرية المزيرعة ومعي صديقي مصطفى غزال ،واشترينا بندقية ورجعنا لقريتنا ،واقتربنا من بئر ماء يقع في مدخل القرية ،وعليه يقف أحد الرعاة الذي كان يسقي دوابه ، وحدق بي وطلب مني خلع بارودتي وقد طمع فيها واستهتر بي وظن أني صغير، واتجه نحوي وحذرته أن يقترب مني لكنه لم يرتدع ، فأطلقت عليه النار مضطراً وسقط المهاجم على الأرض ،وهربت ومعي مصطفى غزال" ( 5).

لقد تكرر سماع هذه الرواية من عدة أشخاص.

حدثنا عبدالله جوده من بلدة عزون نقلاً عن أبو علي ناصر أحد مواطني قرية المزيرعة أن فارس اشترى بندقية من قرية المزيرعة ،ولكنه تعرض لمحاولة تقشيط (سلب) من نفس الشخص الذي باعها له ،ورغم أن فارس حذره من الاقتراب منه إلا أنه اندفع باتجاهه مما حمل فارس على إطلاق النار عليه فأرداه قتيلاً ، وقد تسبب نزيف الدم الذي أصاب جسمه في موته( 6).

بعد مقتل الرمحي في المزيرعة أصبح فارس وصديقه مصطفى فارين تبحث عنهما سلطات الاحتلال البريطاني ، وتقتفي آثارهما للقبض عليهما ، حيث بقيت خلفهما بعض آثار العملية ، ومنها عثورهما على قطعة من أهداب الكوفية .

حضرت قوات الشرطة إلى قرية كفرثلث المجاورة لقرية عزون ،ظناً منها أن القاتل منها ، وقامت السلطات بعمليات تحقيق مع بعض الأشخاص ، وقد اتهمت سليم عيسى بأنه وراء حادثة قتله ،حيث كان يلبس كوفية وعقالاً تشبه لباس فارس ، وقد نفى التهمة المنسوبة إليه .

وانتهى علم المخابرات البريطانية ورجال الشرطة أن القاتل من عزون ويدعى فارس محمد الحواري ، الذي يقطن خربة تبصر (غابة عزون ) ويرتدي نفس اللباس فأسرعوا بالتوجه إليها، وطلبوا من محتار خربة عزون أن يدلهم على بيت فارس كعادة المخاتير في ذلك الزمان .

حققت السلطات البريطانية مع فارس وصديقه مصطفى ، ووجدت بعد تشخيص أن أهداباً قد مزقت في كوفيته،واعترف بالتهمة المنسوبة له ، وأنه هو القاتل ؛ لكن السلطات البريطانية أعدمت صديقه مصطفى غزال، وحكم فارس الحواري بالحكم مدى الحياة بسبب عدم بلوغه السن القانوني .

حدثني محمد كايد عواد سويدان ـ صديق فارس في طفولته ـ فقال :" هو من أجيالي تعلق بحمل السلاح ،وسجن مرات .سمع عن شخص في المزيرعة يبيع السلاح. وبعد أن قضى فترة في السجن ذهب مع مصطفى غزال ـ أحد أقاربنا ـ ،وكان أكبر منه سنا ، اشتروا البرودة ،وأعطوهم فشك معبأ تراب ،قبل ما راحوا من عزون أخذ معه فشك حي واشتروا البرودة ،وميّلوا على صاحب دكانه واشتروا حلاوة ،خارج البلد لحقوهم أشخاص من المزيرعة اتصلبطوا عليهم قالوا لهم حطوا سلاحكم ،هان لطش الزلمة ّسقّطه ،وهرب .

أخذ أهل القتيل قتيلهم ، بعد ما مات جابوا البوليس ،وقالوا لهم أن الذين قتلوه من قرية عزون ،وشخّصوا في غابة عزون فأخرجوهم الاثنين ،وحطوهم في السجن ،ودافع عنهم المحامي الإنجليزي أبو كاريو ، وأعدم مصطفى لكبر سنه ، وحكم فارس بالمؤبد لأنه لم يبلغ سن الرشد " (7)

صورة نادرة للثائر فارس العزوني
صورة نادرة للثائر فارس العزوني

فرار فارس العزوني من سجن عكا :

سُجن فارس في معتقل المسكوبية في مدينة القدس ، وانتقل إلى سجن عكا ، وبعد أن قضى بضعة أعوام في المعتقلات والسجون ،سمع أخبار الثورة الفلسطينية التي اندلعت في عام أل1936، فقرر الهرب من سجنه في صيف عام 1938 .

فكر في طريقة ملائمة للهرب فهداه تفكيره للتعاون مع رفاق السجن وأقام علاقات وطيدة مع السجّانين العرب وبفضل هذه العلاقة نجح في الهرب.

تقول زوجته : " أعدم صديقه مصطفى غزال وحكم فارس مدى الحياة ،وقضى مدة في المعتقل ، طلب مصاري من أمه لشراء أسلاك ومنشاره حديد ، وقام برشوة السّجانين وكانوا عرباً ، وربط حاله ومعه أسلاك ، وفي الليل قطع قضبان الشباك ، وشاركه بعض المسجونين من العرب، ، ونجح فارس بالقفز خارج الخندق المحيط بالسجن لكن يديه انسلخت وقع أحدهم في الخندق وكسر ظهره ،بينما وقع الثاني وكسرت يده ، أما فارس راح لأقرب دار على السجن وخبأه امرأة في بيتها،وجاء زوجها ا وعالجوا يديه التي سلخت من الأسلاك الشائكة ، ودهنوها بالزيت . بعدها بقليل طرق الجيش البيت ، وقامت ست البيت ولفّت فارس بالحصيرة ، وأوقفته في زاوية الدار كأنه حاجة من حاجات البيت . بحثوا عنه في جميع أنحاء الدار ولكن دون فائدة، وبعدها أحضروا طبيب لمداواته. توجه فارس إلى منطقة طولكرم وتخبى عند صديقه الثائر عبد الله الأسعد من عتيل،الذي كان مسجوناً معه وقعد عنده لمدة تقارب عشرة أيام. واتجه لغابة عزون في الليل وظل في سيل المية عند بيارتهم حتى جاء أخوه في الصباح للبيارة ،وحضر إليه حامد ،وعمه أبو يوسف وعبد الجليل " (8).

وتتفق رواية الحاج محمد كايد مع رواية أرملة الشهيد لكنه يذكر تفاصيل أخرى فيقول " ،حّطوه في سجن عكا في الطابق العلوي ، وبعدها اتفق مع البوليس أن يحضروا له أسلاك ،وأخبرهم بنيته للهرب * وكان معه عبدا لله الأسعد من عتيل ،وفارس الطوباسي . نجح عبدا لله الأسعد في الهرب ،بينما فشل فارس الطوباسي الذي وقع على ظهره في الخندق وتكسرت أضلاعه وباغت فارس مدير السجن ولبس أواعي غسيل وهرب إلى غابة عزون ووصلها ليلاً ،و أخذه أخوه حامد، وصديقه أسعد القاسم إلى القائد عارف عبدا لرازق كي يلتحق بالثورة " (9).


تأسيس فصيل الموت :

نجح فارس في الهرب من سجنه في صيف عام 1938 ،حيث ساعده الشرطي أحمد شطارة من قلقيلية ،الذي عمل في الشرطة البريطانية .

وبعد نجاحه في الهرب من سجن عكا ، لمعت في ذهنه فكرة تشكيل فصيل ثوري ، وقد سماه باسم فصيل الموت ،بينما كان الآخرون يسمون فصائلهم باسم القادة و الصحابة المسلمون أو ومعارك الفتح الأولى أو باسم فصيل محمد صلى الله عليه وسلم .عمل فارس على تجنيد أبناء عزون وكفر ثلث وغيرهم من منطقة قلقيلية ومعهم عربا سعوديين ويمنيين وسوريين ،وفي غضون فترة قصيرة بلغ عددهم ما لا يقل عن خمس وسبعون إلى مائتي ثائرً *(12).

ويظهر أن عدد عناصر الفصيل كانت في تغير من وقت إلى آخر ، ويرتبط ذلك بالمناسبات والمعارك ففي مؤتمر ديرغسانة الذي عقد في منتصف أيلول 1938 كان عدد عناصر الفصيل 200 عنصر حسبما يذكر أحد الباحثين (10). ( انظر : فيصل ، ص 135).

أجمع الرواة الذين قابلتهم على أن الرقم تجاوز سبعون شخصا،حدثني أسعد القاسم أن عدد فصيل فارس بلغ خمس و سبعون رجلا * ،ويميل الباحث لهذا الرأي لأن هذا الشخص كان أحد مرافقيه والمقربين منه .

ضم فصيل الموت عناصر عديدة من قرى طولكرم ،و دخلت إليه عناصر أخرى من الأقطار العربية المجاورة ،وبعضهم عمل مع عارف وتركه لينضم إلى فصيل الموت ، وهذه هي بعض الأسماء التي شاركت فيه :

  • 1)قرية عزون : التحق كل من محمود أبو غزال ابن الشهيدة فاطمة غزال التي استشهدت في معركة عزون في 26/ 6/ 1936،وعبدالله القنبر، ونمر القنبر وكامل الحواري ، وزعل بدران ، وإبراهيم الكيوي ،وسعيد أبو حلاوة ، وعبد الرحيم ألرياشي ،وعبدالعزيز الجودة ، وأحمد البدوان ، وقاسم الشايب الطلحة من عزون واّخرين .
  • 2) قرية عسله : أسعد القاسم ،وجاسر سليمان ، وإبراهيم البم راضي .
  • 3) قرية سنيريا : عمر أبو طبنجة ، وسليمان فرح .
  • 4) كفرثلث: إسماعيل أبو هنية،ورشيد أبو هنية ، وموسى مقبل ، وحسين شقير ، ويونس أبو خالد .
  • 5 ) دير بلوط : محمود قرعوش .
  • 6) كفر الديك :الأخوين حافظ عبد المجيد علي الأحمد ،ومحفوظ عبد المجيد علي الأحمد، واحمد عودة علي الأحمد .
  • 7) كفر قاسم : علي بدير وآخرين ،وتعاون المختار وديع أبو دية مع الفصيل .
  • 8) كفر قدوم : فهمي صوفان ، وكان بمثابة سكرتير الثورة وكاتبها ، وأحمد القدومي .
  • 9) مسكه:المعلم إبراهيم عبدا لحفيظ الذي كان يتولى مهمة الكتابة على الآلة الطابعة الخاصة بالثورة.
  • 10 ) خربش : حسن أبو عمر ،ومهمته تصنيع الكبسولات .
  • 11 ) قلقيلية : انضم إلى الفصيل: عبد الرحيم الدكة ،وقام بالتنسيق مع الفصيل مسئول اللجنة القومية حسين جميل هلال ،والذي لعب دورا هاما في إحضار الذخائر والتمويل للفصيل بل وتوجيههم نحو أهداف محددة في محطات سكة الحديد، والمستعمرات القريبة ،ومنها : كلمانيا ، وهاكوفيش ومحطة رأس العين وغيرها ،وقد لاقى فارس الترحاب والحفاوة من آ ل زيد في ديوانهم بمدينة قلقيلية(11) .

التحق به من البلدان العربية سوريون ،ويمنيون ،وسعوديون،ومنهم :ـ جميل السوري وعبدالرحيم السوري والحاج عبده والحاج محمد مسلم ، والحاج محمد اليمني ،والجدير بالذكر أن هؤلاء الثلاثة الأخيرين كانوا مدعاة للشك في أن يكونوا عربا ،وقد قابلت أشخاصاً شاركوا في الثورة من جبل الخليل و قلقيلية ،وطولكرم، ورام الله وفي رواياتهم اتهام للحاج محمد مسلم ، والحاج محمد اليمني ، والحاج عبده كانوا مدسوسين في الثورة ويعملون لحساب الحركة الصهيونية (12 ) .

*وحول عدد عناصر فصيل الموت حدثني عبدالعزيز إسماعيل الأعرج "أنه بلغ في أحد المرات سبعين رجلا ، والدليل على ذلك أن فارس طلب إحضار سبعين دجاجة لإطعامهم ،وأخرجت له كفرثلث هذا العدد " ( 13).

جاء في أحد المؤلفات التي كتبها أحد المؤرخين الفلسطينيين " أندس بينهم يهود يمنيون باسم الحاج محمد المسلم الحجازي، والحاج محمد المغربي، و اليمني ، ولم يكشف أمرهم إلا في النهاية بعد قتل السيد جميل العبد الرحمن إذ قتلوه بعد تبرئته " (14).

توزعت مهمات أعضاء الفصيل بين مهمات قتالية ، وعمليات مختلفة مثل: الاغتيالات، وشراء الأسلحة والذخائر والمناظير ،ومن الأمثلة على ذلك تكليفه موسى مقبل عودة من كفر ثلث ، بشراء ناظور من مدينة نابلس ،بينما قام فهمي صوفان بتسجيل أحداث الثورة بصورة يومية ، وكلف عدد كبير من الناس بتنظيف الرصاص القديم الذي بقي من الحرب العالمية الأولى .

حدثني توفيق أبو صفية: "كنا أطفالا صغارا، وتوظفنا قي تنظيف الرصاص ومسحه " (15).

اهتم فارس بوجود لباس موحد للفصيل حيث لبس المقاتلون اللباس الخاكي (الكاكي ) والحذاء البني الطويل والشر ول الواسع مقلدين الثوار السوريين في لباسهم ،وحمل فارس مسدسين ،ومما قام به تكليف البعض بتأدية مهمات عسكرية كالاغتيالات وأجرى تحريات عن بعض الأشخاص ،وقام أحيانا بالتخفي وملاحقة بعض أبناء بلده وأقربائه للتأكد بنفسه إذا كانوا جواسيس أم لا ؟ .

كان فارس يشعر بالتقدير والامتنان للدروز السوريين ، الذين ضمهم" فصيل الموت "، وعرف منهم جميل السوري ، وعبدالرحيم السوري ،وعبر عن إعجابه وتقديره لهم بأن لقب نفسه ب "أبي معروف " .

الفعاليات الثورية لفصيل الموت :

قام فصيل فارس بالعديد من العمليات العسكرية إلى جانب قتل عملاء وجواسيس يعملون لحساب الاحتلال البريطاني كانت أولى العمليات التي قام بها فصيل الموت هي زرع ألغام على الطريق الترابي الواصل بين نابلس ومدينة قلقيلية ،الذي كانت تمر منه مركبات الجنود ،والسيارات الفلسطينية وهي قليلة ونادرة .

حدثني عبد الخالق سويدان ،و محمد كايد سويدان في مقابلتين منفصلتين أنه كلف عبدالله القنبر بوضع لغم على الجسر القريب من قريته عزون ووقف الثوار من الجانبين ،ودمرت دبابة مرت من هذا المكان وبها ثمانية أشخاص وغنموا منها أسلحة وذخيرة "(16).

أما أ رملة الشهيد فارس فقد روت للباحث أن أولى العمليات التي قام بها فصيل فارس ومن معه كانت في تعرضهم لسيارات ودوريات انجليزية عند كفرلاقف في موضع "القرنين " ، الذي تقوم عليه الآن مستعمرة قرني شومرون . حيث أقام الثوار حاجزاً من الحجارة في وجه الدوريات الإنجليزية المارة من المكان ، وقد راح فيها العديد من القتلى والجرحى وربح فيها الثوار الاعتدة والأسلحة والمناظير،التي استخدمها فارس فيما بعد ، وقد شارك فيها فصيل حمد زواتا (17 ).

ويرى راوٍ آخر من التجار المتجولين ـ يشتهر هؤلاء بمشاهدة الأحداث ـ أن أولى العمليات التي قام بها فارس كانت في عملية اختبار وجهها له عارف عبدالرازق ، الذي كلف فارس القيام بعملية مستقلة ليختبر فيها شجاعته ، وليكون مؤهلا لقيادة فصيل حيث سبق لفارس أن طلب منه ذلك .

فتوجه فارس إلى نقطة حراسة أقامها اليهود حول مستعمرة مجدييل اليهودية القريبة من بيار عدس ،ومدينة قلقيلية ،وكمن خلف أرض مرتفعة من الرمال ، وانتظر حتى تم تبديل حراسها من شرطة اليهود الإضافية ،وأطمئن إلى سكون الليل ، وقد جلسوا على غير عادتهم خارج تحصيناتهم ، فأطلق عليهم النار وقتل منهم ثلاثة ، وجرح اثنان ، وأسرع إلى مدينة قلقيلية . وكانت هذه الشجاعة كافية لأن يسلمه عارف قيادة فصيل (18).

كتب أحد الباحثين : واقتحم المجاهدون مراكز البوليس الإضافي في مجديل (قلقيلية ) بعد أن قتلوا شرطي يهودي من الإضافية وجرحوا غيره ، وعلى أثر ذلك دخلت قوة كبيرة من البوليس البريطاني قرية بيارعدس القريبة من المستعمرة ، ونكلوا بأهلها مما اضطرهم للفرار تاركين ورائهم بيوتهم (19).

لم يقتصر العمل الثوري على هذا الكمين فقد جرت اشتباكات أخرى كان منها اشتباك جرى عام 1938 على جانبي وادي عزون الجنوبي حيث وقف الانجليز شرقي قرية عسله في شمال وادي عزون ، في حين رابط الثوار إلى الجنوب بجوار "خربة الخراب"من أراضي كفر ثلث،وسقط شهيدا الثائر يوسف عوده من قرية بديا.

حدثنا توفيق أبو صفية " كنت أصغير يوم استشهاد يوسف عودة من بديا ،وقد جاء أهله وحملوه على جمل وتحمست نساء القرية وقلن في الأفراح:ـ

يوم معركة الخراب أنقتل يوسف شيخ الشباب

ومما فعله "فصيل الموت " القيام بوضع ألغام في خط سكة حديد حيفا ـ رأس العين بالقرب من جلجولية ، وقد تسبب إحداها في حرف القطار عن مساره وانقلابه . وقد تخصص فرح عوده من سنيريا في وضع الألغام ، حيث استفاد مما تبقى من أسلحة وقنابل العثمانيين ، التي كانت مخبأة في مغارة قريبة من خربة خريش ، وظل عودة يضع الألغام حتى جاءت قوة بريطانية إلى خريش وتوجهت إلى مغارة قريبة منها ، وجمعت القنابل المخبأة فيها منذ عهد الأتراك والتي اعتاد الثوار استخدامها كلما دعت الحاجة لوضع الألغام (21).

كما تعرض فارس وعدد من رفاقه إلى دورية إنجليزية مرت بالقرب من رأس العين، التي راح فيها 8 ـ12 إنجليزيا ، وقام الثوار أيضا بالهجوم على بنك باركليز البريطاني في مدينة يافا وحرقه ، وقام بمهمات سرية واستطلاعية وتكليف أشخاص باغتيال سماسرة في مدينة يافا ، حيث أرسل قاسم الشايب لاغتيال أحد السماسرة فيها و قام فصيل فارس بتصفية عدد من العملاء والجواسيس وسماسرة الاحتلال البريطاني في منطقة رام الله ( 22).

لم يقتصر نضال فصيل فارس العزوني على العمليات المذكورة بل شارك في معركة الهجوم على القدس لتحريرها برفقة الثوار ،ومنهم : عارف عبد الرازق ومحمد عبدالكريم النوباني "أبو شوكت" ،وحمد داود زواتا " أبو فؤاد " ،وآخرين كانوا داخل المدينة المقدسة .

كتب فيصل عبدالرازق نقلاً عن الثائر حمد زواتا والثائر سعيد الناشف أن عارف أعد خطة لتحرير القدس ، وبناءَ على ذلك طلب من فصيل حمد ،وفصيل فارس ، وفصيل محمد عمر النوباني ،وفصيل عارف عبدالرازق العمل على تحرير القدس وهناك نظمها وجهزها لاحتلال القدس القديمة ، وأمر كلا من فارس الحواري وحافظ عبدالمجيد أن يدخلا سراً إلى المدينة لترتيب الفصائل الثائرة تحت إمرتهم ، ووضع فصائل على مقربة من الطرق المؤدية للخارج لتقف في وجه أي قوات تجلب لداخل الأسوار ، وتم ترتيب الإعداد للمعركة مع ضابط الشرطة العربي جميل العسلي،ومع بهجت أبو غربية وفوزي القطب وشكيب القطب ، وقد ساعد هؤلاء في نجاح المعركة لمعرفته بأسرار المدينة . نجح الثوار في تحرير المدينة لمدة ثلاثة أيام وسيطروا فيها على مركز الشرطة وحرقوا مستنداته وقد استخدم الجنرال هايننغ السلالم لإرسال قوة للنجدة ، وقد قوبل دخول الثوار بالفرح والتهليل والزغاريد ، وأخيراً اضطر الثوار للانسحاب من المدينة (22).

كما شارك فارس في اجتماع عقده ثوار فلسطين في قرية ديرغسانة في 15 ـ 18 أيلول 1938 ، الذي جرى فيه بحث أمور الثورة وتنظيم عملها بانتخاب " مجلس قيادة الثورة " وعن اجتماع دير غسانه ،والتحضير له يقول حسن حسين "جاء إلى كفر ثلث عدد من قواد الفصائل كان منهم : عبد الرحيم الحاج محمد ، وكان لباسه يشبه لباس الشاميين ، جوكيت طويل ، وسروال واسع ، وحطة وعقال ، وجاء عارف عبدالرازق ، وفارس العزوني، وعبدالرحيم المرداوي ، واستراحوا في كفرثلث ، عند حيط دار سعيد عبدا لسلام ، واحضر الناس كراسي من بيت المختار سلامة الهدشة، والثوار رايحة جاية داخل البلد كأنهم في عرس ، وبعدها توجهوا للجنوب ، وهناك أطلق فارس وجماعته طلقات على طياره إنجليزية كما سمعنا ، ويقال أنهم أسقطوها في مطار اللد ،ثم حدثت معركة استشهد فيها الثائر محمد صالح " أبو خالد " (23) .

غمرت كفرثلث مظاهر البهجة والسرور بعد قدوم الثائر عبدالرحيم الحاج محمد،وحسن سلامة وعارف عبدالرازق وعبدالحميد المرداوي، وعبدالقادر الحسيني ، حيث أقيمت الدبكات الشعبية .

حدثني محمود أسعد خطيب ، فقال : " يوم جاء عبدالر حيم الحاج محمد (أبو كمال ) إلى كفرثلث . جاء ومعه ثوار يحملون العلم الفلسطيني وهم يغنون :

حطوا البيارق على الجبل وتباشري يا بلادنا

ويا كافر والله ما نطيح حتى تشوف فعالنا

عاداتنا حمل السيوف وذبح العساكر كارنا (24).

أظهر فارس ميلاً وحماساً ظاهرا نحو أسلوب التصفيات الجسدية للمعارضين والعملاء ،وبعث عمله الذعر والخوف في نفوس المخاتير خاصةً في قرى رام الله الغربية والشمالية ، وقرى قلقيلية .وقد سببت هذه الأحداث لجوء البعض للقوات البريطانية ورافقوهم في عمليات مطاردة للثوار وتعقبوا قادة الفصائل ، حيث عملوا جنباً لجنب مع قوات الجيش البريطاني ، وركبوا دباباتهم .

حدثنا أسعد القاسم أن فارس أعطى أوامره بتصفية طاهر عبد سعيد من قرية بديا ، والذي شعر بأنه مستهدف من قبل الثوار فهرب وسلم نفسه للانجليز ، وشارك فيما بعد في مرافقة قوة انجليزية اشتبكت مع ثورة فارس في معركة الوادات ، ويقال أن هذا الشخص كان مسئولا عن قتل كامل البعثة في هذه المعركة التي جرت بالقرب من عزون ، حتى أن هذا الشخص كان يفخر بقوله إنه يحلوا لي قتل الثوار على ظهر الشجر ، وقد راح مقتولاً في أواخر عام 1948 (24).

وقام فارس بالتخطيط وسعى جاهداً لاغتيال قائد الجيش الأردني البريطاني كلوب باشا ،الذي أشرف على الجيش الأردني بتكليف من بريطانيا ،وكان يتعارض وجوده مع الطموحات القومية العربية ، ولا بد أن فارس أدرك الدور الذي يلعبه هذا القائد البريطاني المسيطر على الجيش الأردني ، والذي كان يعيق حركة الثوار والمجاهدين الذين عبروا إلى فلسطين .

حدثنا الثائر أسعد القاسم : " ذهبنا إلى قرية قريبة من طوباس ،وكنا خمسة عشر إلى عشرين شخصاً، وكان قائد المجموعة من قرية جلبون من أصدقاء فارس ، واستضافنا شيخ قبيلة الزيناتي لمدة يومين ، وأراد فارس القضاء على كلوب باشا ، وكان يساعده رجل من الأردن ، عمل كدليل له ،وكشفوا الوضع فوجدوا أن المنطقة ملغومة ويستحيل الوصول إليه ،حيث يحميه حراسه ، ووجدنا من الصعب قتله ،وقوتنا لا تعادل قوته ، ورجعنا من هناك ووجدنا عارف عبدا الرازق وحمد زواتا قد قاموا بقتل حسن أبو نجيم ، ربما بسبب تفوقه عليهم ، وقد شعر فارس بالانقباض وتأثر تأثراً شديداً ." (25)

معركة الوادات ونهاية "فصيل الموت" :

تعتبر هذه المعركة الأخيرة بين فارس والانجليز ، قبل أن يقرر الرحيل مرةً ثانية إلى سوريا ، وينتهي دور فصيل الموت ، وقد جاءت في ظل غياب القائد عارف عبدالرازق عن ساحة فلسطين ، ومعه عدد من الثوار الذين اتجهوا إلى سوريا واستشهاد القائد العام للثورة الفلسطينية الشهيد عبدالرحيم الحاج محمد ، ووصول الثورة الفلسطينية إلى حالة من الاختناق إضافة إلى سوء الأوضاع العربية والدولية .

حدثنا أسعد القاسم عن ظروف المعركة ، فقال : " كنت في لبنان ومعي فارس العزوني ، ونمر القنبر أوائل عام 1939 و زرنا عبدالرحيم الحاج محمد في مكتب اللجنة المركزية للجهاد ، والتقينا محمد عزة دروزة ، وداود الحسيني ،و سليم أبو لبن.

أقام فارس مع زوجته ، وذهبنا إلى بيت داود الحسيني ورحب بنا وسلم الواحد منا أكثر من مائة دينار. بعدها فكرنا بالرجوع مع الشهيد عبدالرحيم الحاج محمد إلى البلاد ، إلا أن داود الحسيني عارض ذهابنا معه ،فسألته عن السبب فقال: إنك من رجالي وأخشى عليك أن تقتل إذا رافقت عبدالرحيم الحاج محمد وسأؤمن وصولك إلى كور أقرب بلد إليك .

وحملني رسائل لعدة أشخاص في هذه البلاد، ورتب لنا في القرى من نتوجه إليه، ودعمنا برسائله وتوصياته، وملأ الُخرجين بما يلزم من الأكل، وما إن وصلنا إلى بلدنا عسله، ونمنا خارج القرية، حتى جاء الإنجليز يبحثون عنا.

نام الإنجليز ليلتهم على سطوح الدور بانتظار رجوعنا للبيت . بعدها سمعنا أن فارس رجع إلى البلاد، ولم التحق معه، حيث عملت بحصاد الأرض غربي حبله.

توجه فارس إلى رأس العين ورابط هناك بانتظار مرور دورية انجليزية لينقض عليها ومعه مجموعة من فصيله ،أما عارف عبدالرازق فقد خرج من البلاد قبلها بأيام ،في حين أستشهد عبدالرحيم الحاج محمد في صانور ،وظل فارس وحيدا في الميدان .

رابط هناك قرب شجرة صبر قريبة من سكة الحديد، ومرت سيارة تنقل عربا حكم عليهم بالعمل الشاق في كسارات قرية المجدل، ومن خلفهم كانت تحرسهم سيارة عسكرية بريطانية تحمل ثمانية جنود أو أكثر .

قام فارس بإطلاق النار على الجنود وتبعه رفاقه، وصعد فارس إلى الدورية وأكمل من بقي حياً.

وقال فارس: دعوني فأنا من سيقضي على الناجين منهم

ومن مسدسه أطلق النار على سائقها ،وكان أمامه مدفع رشاش ،و قفز بداخلها وقضى على الباقين منهم . لكنه أصيب بطلقة في فخذه ،وقد أحس بها بعد وصوله إلى خريش ،وأسعفه مختار كفرثلث أحمد الخطيب، وأحضروه إلى عزون و إلى"أرض الوادات "بين عزون وجيوس ، لحقه الإنجليز يبحثون عنه ويريدون القضاء عليه بأي ثمن ، وقاموا بتعذيب بعض أقاربه حتى يعرفوهم عن مكانه ،وقد اعترف أحدهم عن مخبأه من شدة القتل والتعذيب ، وأشار إلى أنه في أرض الزايدة "(26).

حدثني جدي عبدالهادي عرار :" جرح فارس في معركة رأس العين ونقل على نقالة إسعاف وسار به رفاقه إلى قرية سلمان ومنها توجه إلى مغارة تقع في أرض "حريقة أبو فارة " من أراضي كفرثلث،و حضر لمعالجته طبيب العيون الدكتور رفعت عودة من بلدة بديا " (27 ) .

وتذكر زوجته نقلاً عنه أنه :" نقل بعد العملية إلى أرض "حريقة السيد " شمال كفرثلث،واعتنى به المختار أحمد عبد الرحمن الخطيب مختار كفرثلث وخربها ،وصارت معركة الزايدة و اعتنى به مختار جيوس محمد عمر الذي وضعه في مغارة بأرض محمد النوفل وبعنايته ،وقمت مع والدته بزيارته في خربة نوفل من أراضي جيوس ،وقابلنا محمد عمر مختار جيوس وسألناه ولكنه أنكر وجوده ،و رفض الكشف عنه حتى تأكد أنها أمه وأني زوجته . مرت أيام من رعايته عندها أخذ يتشافى وبعدها قرر التوجه إلى لبنان وسوريا " (28)

أما كيف حدثت معركة الزايدة ، وكيف انتهى مصير فصيل فارس العزوني ، فقد أجمع الرواة الذين قابلتهم على أن مجموعة من الثوار يقارب عددها عشرون ثائراَ كانوا يجتمعون بين قريتي عزون وجيوس في وادي عزون ، بمكان يدعى " الزايدة " ـ كما يعرفها أبناء عزون ـ ، وفي هذه الأثناء قامت الطائرات الإنجليزية بالتحليق المنخفض ، وشوهد الثوار ومعهم خيولهم ، وقد اختاروا الاشتباك مع الانجليز وأطلق أحدهم طلقة على الطائرة التي تحلق في سماء المنطقة ،مما سهل انكشافهم ، وأمطرت الطائرات الثوار بقذائفها الملتهبة الغزيرة ، وجوبهت بسلاح ناري بسيط ، يمتلكه الثوار، وكانت المنطقة مكشوفة بشكل جيد للطائرات البريطانية ،مما أدى إلى استشهاد ثماني أشخاص ، ولم يخسر البريطانيون أحداً منهم .

حول هذه المعركة حدثنا محمد كايد سويدان :

"بعد ستة شهور من اعتقالنا في مزرعة عكا التي كان فيها حوالي ألفين شخص معتقلين عند شط البحر.روحَّنا وسَّلمنا على فارس في البلد من شامى ،وثاني يوم جابوا خيل ،ونزلوا على خربة خريش من شامى ، وربطوا الخيل في البيارات القريبة منها ،ومرت دورية انجليزية وبها ما لا يقل عن ثمانية أشخاص ،أخذوا سلاحهم وخلَّصوا عليهم وركبوا الخيل وهربوا ،وفيها صّحت له أقواسه،ويقال أنها أطلقت من أحد مرافقيه ،وبعد وصولهم خريش قال لهم فارس : أصبت . حّطوه في "واد اسحق " شمال عزون ،وأخذ الانجليز يبحثون عنه ،وكشف الجواسيس مكانه ، وصارت الطيارة تحوم حول عزون فكشفت من معه في الوادات ، وكان بعضهم يشكوا من الجوع ،مثل نمر القنبر ،رمت الطيارة إشارة على عزون مناشير كتبت باللغة الانجليزية لغرض التعليمات ،وهجم الجيش الانجليزي بدباباته والطيارات تضرب على الثوار . حاول نمر القنبر الهرب من المعركة ،وأطلقت عليه رصاصة أصابت ظهره فاستشهد ،وكانت المعركة دايره والبلد داير فيها القتل .

اختار فارس الهرب من الجهة الغربية لا من الجهة الشرقية ، حيث يتوقع الانجليز ذلك ، ونجح في التسلل من بين الدبابات البريطانية ،وفعل مثله عبد الرحيم عثمان زيد الملقب ب "الكته" حيث رجع إلى بلده قلقيلية . وقف فارس في أرض العابد في النبي الياس ،ونادى على العبد البري وطلب ماءً للشرب ،وقال لأسعد أبو حامدة وحافظ عابدة جماعتي قتلوا ،وجاء أهل جيوس لرفع الشهداء ،ونقلوهم ودفنوهم في جيوس كل أثنين فوق بعض، وبعدها نقلوا لعزون وخسرت عزون ثمانية شهداء منهم : ـ نمر القنبر ، كامل البعنة ، أحمد أبو خديجة ،وشهيدين من سوريا أحدهما جميل السوري " (26) .

وعن المعركة يتحدث أسعد القاسم الذي يقيم في قرية عسله المجاورة لقرية عزون والمطلة على موقع المعركة.

حدثنا أسعد: " يوم المعركة كنت غير بعيد عنها، ولكنني لم أشارك فيها. قام الانجليز بتطويق عزون ،وشًددوا الخناق عليها بدهم يعرفوا وين راح فارس ، وقد اعترف بعض أقاربه من القتل وقالوا أنه بين عزون وجيوس ، أخذت الطيارات تكشف وتحِّوم ، وحلقت على طيران منخفض ،و كشفت الثوار مجتمعين في الزايدة .و أطلق أحدهم طلقة على الطيارة و صارت معركة من الظهر حتى المساء، واستشهد فيها مجموعة من رفاقه ، وبعد انتهاء المعركة ، وقد قارب الوقت على المغيب قرر فارس ترك المكان ،واتجه غربا جنوب ً الطريق العام في الاتجاه الذي وقفت فيه الدبابات ،وقيل أنه تخبا في عرق بلوطة وأن ضابط إنجليزي كان بالقرب منه ،و فارس متخبي فيها ، ولم يراه الضابط ،وبعدها توجه إلى جهة النبي الياس وصار ينادي على عبد البري حتى يسقيه ويطعمه ،و فيما بعد توجه إلى مختار حبله محمد القدورة ( )

.........................................

حدثني : توفيق عبدالقادر أبوصفية أن شخصين خرجا في ملابس مستعارة وكان الأول من بديا والثاني من كفرثلث خرجا برفقة القوات البريطانية يوم المعركة بلباس الجيش البريطاني ليكونوا عونا لهم ويدلوهم على مواقع الثوار ، وقتلا الثائرين جميل السوري وعبدالرحيم السوري ، وغيرهم ، حتى ان أحدهم كان يقول : " إنه يحلو لي قتل الثوار على أغصان الشجر " .

وحول عملية رأس العين ،التي حدثت أواخر ربيع عام 1939 ، التي أثارت سخط المسئولين الانجليز واليهود معاً .

يسود الاعتقاد أن بعض الأشخاص اغتنموا فرصة حدوث المعركة المكشوفة مع البريطانيين في معركة الوادات وراحوا ينتهزون الفرصة في معاونة الجيش البريطاني .

وجد المعارضون للثورة فرصتهم في معركة الوادات ، واتخذوها وسيلة لتصفية الحساب والقضاء على مجموعة من أعضاء الفصيل ، وقام بعضهم بملاحقة الثوار ودلوا البريطانيين عليهم و كانت حصيلة المعركة استشهاد كوكبة من الثوار المرافقين لفارس خاصةً من أقاربه ،والقوة الثورية التي اعتمد عليها مما قلل من حماسه لتجديد العمل الثوري ،وأخذ يعد العدة للرحيل عن البلاد ريثما تتغير الأحوال وتنجلي الأمور بعد أن شفي فارس من جرحه بمدة تقارب الشهر قرر الرجوع إلى لبنان ،وقد رتب خروج زوجته مرة أخرى ويظهر أنه يأس في هذه المرة، بعد أن أستشهد الأهل والأصحاب وتفرق عنه رفاق الثورة والسلاح ، كما أن الأوضاع المحيطة بالثورة ساءت إلى حد كبير بسبب السياسة البريطانية وسوء الأوضاع الداخلية والخارجية ، وكان للإجراءات البريطانية أثر كبير في خلق واقع سيء يحيط بالثورة .

فصيل الموت

إجراءات الاحتلال البريطاني للقضاء على الثورة :

تضايق الاحتلال من أعمال الثوار، وقرر القضاء عليهم بأي ثمن، فماذا فعل لتحقيق هذه الغاية ؟

قام الإنجليز بسلسلة من المضايقات للسكان والأعمال التعسفية بقذف المناشير من الطائرات ،أخذت تحرض السكان ضد الثورة ،وقاموا بفرض منع التجوال على السكان مرات عديد ومتتالية خاصةً في قريتي عزون وكفرثلث اللتين اعتبرتا حاضنتين للفصيل ،ثم سائر القرى التي تؤويه مثل قرى : حبله ،وصير ،قلقيلية ، والزاوية وقد فرض حظر التجوال ثماني مرات على قرية كفرثلث، وقد رافقتها حملة قمع وممارسات تعسفية راح ضحيتها عدد من الشهداء والجرحى .

كانت سلطات الاحتلال البريطاني حريصةً كل الحرص على القضاء على" فصيل الموت " ، وقد اتخذت سبل عديدة لتطويع قائد الفصيل كي يخدم أغراضها ، ويكون طوع إرادتها ، لكنه رفض التساهل أو التجاوب مع السلطات الاستعمارية .

حدثني فضل حواري عن أبيه عبد الجليل أن أحد أخوته طلب للحاكم العسكري البريطاني ، وأن الحاكم عرض عليه أن تقوم بريطانيا بدعم الفصيل بالمال على أن لا يتعرض للإنجليز بالقتل ، ولكن فارس طلب من أخوه أن لا يعود إليه إذا أرسلوا في طلبه ، وأن لا يعود مرةً أخرى لمثل هذا الحديث وإلا قتله ( 29).

ففي يوم الثالث من آذار عام 1939 ،فرض الجيش البريطاني طوقاً عسكرياً على كفرثلث منع فيه السكان من الخروج ، وحشروا في جامع القرية رجالاً ونساءً وأطفالا ،وأعلن المحتلون في مناشير قذفوها من طائراتهم أن على السكان أن يلتزموا بقرار منع التجوال .

وأخذت طائراتهم تحلق في سماء القرية ومحيطها، في حين كانت مجموعة من رجال القرية ونساؤها يعملون في الحقول.أخذت طائرات الإنجليز تسقط المناشير، التي تحذرهم وتطلب منهم العودة إلى القرية، وعدم خرق حظر التجوال.

سمع أبناء القرية بمنع التجوال ، فعاد بعضهم إلى القرية ، ومنهم : عبدالله القصاص ، وأحمد حامد شواهنة ، وصديقة إبراهيم شواهنة ، وفاطمة حامد عوده ، الذين كانوا يسيرون في وادي العجمي ( وادي حامد ) عند ظاهرها

الشمالي ، لكن طائرات العدو أخذت تحلق فوق رؤوسهم استعداداً لإطلاق قذائفها عليهم . لقد إختبأوا في جذوع "الزيتون الرومي " ، وقام طيار بريطاني بالتحليق في الجو وصوب قذائفه باتجاههم ، فاستشهد عبدالله قصاص ،واحترق جذع الزيتون الذي اختبأ فيه عبدالله فخر شهيداً .

استشهد عبدالله القصاص الذي كان في طريقه إلى مدينة يافا ، وقد توجه لإحضار ملابس الزفاف لعروسه وكان خروجه من السجن قبل فترة وجيزة ،حيث اعتقل في معتقل عتليت مع آخرين من كفرثلث وعزون ، وجرح يومها عدد من أبناء القرية الذين كانوا يعملون في حقولهم.

وتبع هذا الإجراءات التعسفية الاعتقال الإداري ، التي تجري فيه عمليات اعتقال وسجن لمدد مختلفة دون محاكمة واقتيد عدد كبير منهم إلى سجن عتليت . كانت السلطات البريطانية تهدف من رواء ذلك إلى عزل الثوار عن الفلاحين ، وفي عام 1938 قام الإنجليز بهدم بيت الثائر فارس العزوني ، وقد صادف يوم عيد الأضحى المبارك ،وقاموا باعتقال زوجته ووالدته في محاولة واضحة للانتقاص من معنوياته القتالية (31).

وتعرضت أسرة الشهيد لمختلف الضغوط للانتقاص من عزيمته التي لا تلين ومن قوته الفولاذية، وقد صمم على مواصلة الكفاح مهما كانت الصعاب.

حدثتني عيشه جوده أرملة الشهيد:ـ

"تزوجت قبل العيد الصغير ،وبعد العيد بثلاثة شهور نسفوا الدار ،أي بعد العيد الكبير ،وهي دار اشتراها من حسن حمد الشبيطة ب600 دينار . جاء الجيش الساعة العاشرة ليلا ،وقد جاءه مكتوب إلى البيت حيث كنا فيه ،وقد أوعز له شخص بالخروج قبل مجيء الطوق ،عندها قام فارس بإرسال شخص لجماعته في واد أبو شعر شرق البلد ،بان يلحقوه إلي غرب عزون ،وجاء الإنجليز وطوقوا الدار فوق الألف جندي وهدفهم القبض عليه دقوا الباب بسرعة وفتحوه بالقوة وفاجأني القائد بتسليط المسدس علي ،ولم يجد أحد .

سألني وين ز وجك؟

قلت :ـ ليس لي زوج ،وسألني من معك ؟

قلت :ـ هي أمى .

جمعوا الملابس وقالوا : يا الله البسي ،واطلعي معنا ،ورفضت ، فأخرجونا بالقوة ،ودون آن نخرج باقي الأغراض واخذوا حماتي من نومها ،وأصيبت بالإغماء ، وحسبت حماتي أنهم قبضوا على أبنها وأخذوني مشي إلى قلقيلية ومعي ذيب الفنبر ،وكانوا مسكوه عند الصبر ، ومعنا شخص من نابلس أحمد العبد الرحمن ،وغرّبوا فينا .

قام فارس بوضع حراسه عند النبي الياس ،و في هذه الأثناء نادى أحد الثوار وقال : سر الليل .

سمع الجنود البريطانيون هذا الصوت ، وناموا وانبطحوا وأطلق عليهم الثوار النار ، وأخذ الإنجليز يخابروا حتى تجيهم قوة أكبر ولحقوا الثوار إلى عسله دون القبض عليهم ، وواصلوا المسير فينا حتى وصلنا مركز بوليس قلقيلية وقد وصلنا عند آذان الصبح ،ولم يأخذوا منا إفادة ،وأخذونا على مستعمرة نتانيا وجاءت شرطية تطلب منا الإمضاء أنه لم يحدث للدار شيْ فرفضت فادخلوا حماتي ووقعوها على الإمضاء وأفرج عنا وروحنا من طريق الزجلية مطرح مستوطنة ألفيه منشة " (32).


القبض على فارس العزوني :

دفعت الخسائر الفادحة التي حلت في عناصر " فصيل الموت " واستشهاد الأهل والأصحاب ، ومنهم أقربائه وأخلص الناس إليه ومريديه والذين يشكلون الحلقة المركزية في نضاله إلى قناعة قائد الفصيل فارس العزوني بضرورة الهجرة للخارج ، وأن الظروف لم تعود مهيأة للاستمرار في الثورة ، وكان قد سبقه رحيل القائد العام عارف عبد الرازق وتسلله إلى الحدود السورية ومعه أثنا عشر شخصا وهذا أدى إلى تشجيعه على الهجرة خارج البلاد، ويظهر أنه بات يدرك الصعوبات البالغة والظروف القاسية التي مرت فيها فلسطين قبيل الحرب العالمية الثانية واللقاء الذي تم بين الحليفتين بريطانيا وفرنسا،كما دفعت مشاعر العزلة والكراهية لقادة الثورة المسلحة التي انتشرت بين أبناء المنطقة إلى الترتيب لهذه الهجرة القسرية .

تمت الترتيبات مع عبد الرحيم الشنطي من مدينة قلقيلية ،الذي أحضر وثيقة السفر لوالدته ، وزوجته ، وأخيه من أمه أحمد الزماري . في حين توجه فارس عبر الحدود ووصل إلى مدينة طرابلس اللبنانية، وسمى نفسه باسم مستعار وكانت هذه المرة الثانية التي يتوجه فيها إلى سورية

ولبنان.

وإذا كان فارس قد نجا في المرة الأولى من العملاء والجواسيس حيث كان قد ارتحل إلى لبنان وسوريا، إلا أن قدر الشهادة رافقه هذه المرة. قامت مجموعة من العملاء والحاقدين بمتابعته إلى لبنان،وكانوا ككلاب الصيد يقتفون آثاره، ويراقبون سكناته ،وقد عرفوا بالحقد على الثورة والثوار، حيث اندفعوا يطالبون بثأرهم أو لارتباطهم بحزب المعارضة العميل لبريطانيا .

حدثنا فضل حواري عن محمد مصطفى شريم الذي يقيم في عمان أن فارس العزوني أرسل شخصين إلى مدينة قلقيلية لاغتيال محمد قاسم أحد أبناء القرية ، وقد شعر محمد بقدوم الثائرين الذين وجها له رصاصةً فرمى نفسه في حضن نمر السبع فسقط نمر السبع مضرجاً بدمه ، وراح ضحية الحادث ، بينما نجا محمد من القتل وتشافي بعد فترة من الزمن ، وقد أرسل فارس لآل شريم يعتذر لهم على ما جرى ، وأعرب عن استعداد فصيله لدفع مبلغ من المال لهذا الغرض ، ولكن طرأ ما هو جديد ، فقد انضم إليه أحمد الشطارة ـ أحد ابناء العائلة ـ الذي ساعد فارس في الخروج من عكا ، وعرفت سلطات الاحتلال أنه وراء هروبه من السجن ، فضغط ت عليه ، وخيرته بين السجن والإعدام أو اغتيال فارس ، فخضع لابتزازهم ، والتحق بفارس وفصيله وحاول أن يطلق عليه النار في أحد المناسبات ، وتذرع أنها بالغلط ، ودفع فارس لتصفيته ، وأرسل إلى آل شريم يطلب مالاً للثورة ، فاجتمعوا في ديوان العائلة ، وكان رأي شيوخ العشيرة وبحضور محمد مصطفى شريم أن يشتروا سلاحاً بهذا المال على أن لا ينصاعوا لفصيل فارس مستهزئين بهذا الدور الذي يؤديه ، وقد تعمقت الخلافات وشعر الانجليز بهذه الحركة وغذوها من طرفهم ، حتى إذا عرف بعض الأشخاص من هذه العائلة بمكان فارس في طرابلس لبنان راحوا يجرون اتصالاتهم مع الضابط اليهودي شيف وقادة الانجليز ، وضغطوا على إبراهيم النصار ومنه عرفوا مكانه بعد أن وعدوه بتجنب السجن والإفراج عنه ، واتصلت السلطات البريطانية مع الفرنسيين وطالبتهم بتسليمه باعتباره مجرماً فاراً من فلسطين ، وقد أراد الضابط اليهودي شيف الانتقام من مقتل الجنود الإضافية من اليهود الذين قتلوا عند رأس العين ، وقبض على فارس وسلمته السلطات الفرنسية للسلطات البريطانية " (33 ) .

وإذا كانت الرعاية الإلهية قد حالت دون القبض عليه أو إيقاعه في الأسر فيما سبق، إلا أنه في هذه المرة قبض عليه كمغنم كبير.

لقد تبسم الحظ للثائر فارس أكثر من مرة، ونجح في مقاومتهم، أو فشلوا في القبض عليه.

جاء قبض السلطات الفرنسية على فارس ليشكل النهاية المحتمة لكفاحه . لقد اقتيد في أغلاله إلى سجن عكا ومعه عدد من الثوار الذين قبض عليهم في فلسطين ، ومنهم إسماعيل أبو هنية (كفرثلث )، ومحمود قرعوش (ديربلوط) وعمر طبنجة (سنيريا) وآخرين من كفرالديك وقرى رام الله .

وحول الطريقة التي اتبعتها بريطانيا للقبض عليه ، ثم إعدامه حدثني الحاج محمد عواد : " هرب إلى سوريا ومعه إبراهيم النصار زقطوه الفرنسيين ،حطوه في السجن ،وهرب إبراهيم إلى فلسطين ،واتفق معه على إحضار 150 ليرة حتى يفرج عنه، ويدفعها لمحامي فرنسي ،وعرف بمكانه الضابط اليهودي شيف رئيس قسم المباحث الجنائية ،وسلمه الفرنسيون للإنجليز ،جابوه إلى عكا، واتهم إسماعيل أبو هنية بمساعدته وذهب صالح عبدالهادي عيسى لحضور جلسة المحكمة، وقال : " والله يا فارس لو أن الرجال تشترى بالمال لاشتريتك الآن " (34) .

وحول محاكمته ، وموقف فارس من جلاوزة الاحتلال البريطاني ،حدثني الراوي السابق عن محاكمته " سألوه يافارس من قتل الانجليز في رأس العين ؟

قال :أنا من قتلهم .

ـ أين ذهب الذين كانوا معك ؟

ـ قتلوا ولم يبق منهم أحدا، والباقين غادروا إلى بلادهم.

ـ شوعلاقتك باسماعيل أبو هنية،ومحمد قرعوش وعمر طبنجة ؟

فارس : هؤلاء أولاد ،وانأ لم أتخذ غير السوريين أصحاب .

وسأله المدعي العام البريطاني : ألا تطلب الاسترحام ؟

ضحك فارس وقهقه: لا لن أطلب الاسترحام .

القاضي: وهل تفضل الموت على الحياة ؟

ـ فارس: نعم وسأبقى أحارب الاستعمار من داخل قبري، ولو كان معي مسدسا لأفرغته في رأسك ألان.

وردد فارس قول الخالق عز وجل "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون " ( 35) .

أعدم فارس بعد أسبوع ، بقرار فاجأ الأهل والأحباب ،حتى أن زوجته لم تتوقع إعدامه ، وحكم على وفاقه بأحكام مختلفة ، حيث حكم على إسماعيل أبو هنية بالسجن سبع سنوات ، وسجن عمر طبنجة من سنيريا بالحكم المؤبد ،واستأنف قرار المحكمة ، فجاء إعدامه في المرة الثانية ، وحكم على محمود قرعوش بالسجن عشرة أعوام ، وأفرج عنه،وخرج للعمل في الولايات المتحدة الأميركية. وأعدم الأخوين حافظ، ومحفوظ من كفر الديك ، وبإعدام هؤلاء الثوار انتهت الثورة في جنوب طولكرم( )

بقي بعض الثوار ينتقلون من مكان لآخر ، ولكن دون فعاليات تذكر ، وقد لاذوا بالتخفي عن العيون .

كان الثائر حمد زواتا أوفر هم حظا ولكن سلطات الاحتلال البريطاني قبضت عليه صيف عام 1941 ، حيث كان نائماً في بيادر قرية حجة ، وبعد سنوات أ فرج عنه .

وقام الإنجليز بحملة قمع شرسة استخدموا فيها سلاح الطيران ، حتى أن الأخوين الثائرين حافظ ومحفوظ عبدالمجيد تعرضوا لغدر جماعة حزب المعارضة أثناء نومهم في بروقين بعد رجوعهم من عملية ثورية ثم بسبب تقصير الحراس ،وقبض عليهم في عمل خسيس ونذل، ونقلوا إلى سلفيت ، وسجنوا في بيت معارض للثورة من سلفيت ، وفي اليوم التالي جاءت نسائهم يولولن ، ويصحن ، وأعربن عن استعدادهن لإعطاء حليهن،وأساورهن ،مقابل الإفراج عنهما ،لكن مجموعة المعارضة كانوا يشددون الخناق عليهما ، وقيدوهما ، وحضرت دوريات الانجليز التي نقلتهما إلى سجن عكا ، وتحركت "عصابات السلام " العميلة للاحتلال البريطاني لمضايقة السكان ، والبحث عن الثوار ، والتي قادها في المنطقة عزيز بلاطة ، ولم يبق في منطقة غربي نابلس أي من الثوار والمشردين غير الثائر أحمد عوده (كفرالديك)،الذي اختبأ في الكهوف،والمغارات المهجورة،وبين الصخور العالية ، وقد حفّته الرعاية الإلهية ، وساعدته خفة حركاته ونشاطه ويقظته وسهره الدائم، ومساعدة الفلاحين على النجاة،وكان ذكياً لا يقيم في مكان واحد ومع ذلك تعرض لمطاردة من قبل أحد المعارضين في قريته مما اضطره أخيرا لقتله وبقي مطاردا حتى عام 1948.

وفاء أرملة الشهيد فارس : رحل فارس، وقذف الانجليز جثته في وسط القرية دون بلاغ مسبق وأخذ أهله الجثة،وقبل أن يدفن أرادت زوجته أن تودعه الوداع الأخير ، فنامت عنده ليلة كاملة،و قبل أن يوارى جثمانه ويدفن في ساحة بيته ، وتقدم العديد لخطبة أرملته ،لكنها رفضت رفضا قاطعا ، وأخلصت لزوجها في حياته ومماته ، وأصاب والدته مس من الجنون، حيث مات ابنها الذي كان يحظى بنصيب وافر من محبتها وتقديرها .

إنفعال الأدب الشعبي مع الأحداث : عز على نساء عزون وكفرثلث وخريش وسائر قرى قلقيلية ، استشهاده بعد إعدامه ، فبكت النساء وقلن هذه البكائية :

قلن انكسر ريح المراكب وانكسر مركب نحاسي
اخسارة يا ابو معروف يا قايد كل الناس
قلن انكسر ريح المراكب وانكسر مركب ذهب
يا خسارة يابومعروف يا قايد كل العرب
قلن إنكسر ريح المراكب وانكسر مركب حديد
يا خسار يابو معروف يا قايد كل الاجاويد (62).
وقال فيه إبن بلدته محمد سليم ناصر مرثية قال فيها :
تبا للدهر لايوافً زماما أجرى مداد المقلات سجاما
حزنا على شهم توافى دّمه جسما ولكن المنايا سهاما
افارس ما صار مثلك فارساً كلا لاصار مثلك حساما
كم محفل عقدته ارباب النهى من اجلك قلقت بك الحكايا
عزون فابكي بعد عزك واندبي بطلاً فارسًا مقداما
كم من شجاع اتاك خائفا متذ لل يمشي عل الاقداما
ذكرى لنا قدتسا مت في الورى ان انكر تشهد لنا الاياما
لو كنت تفدي بالنفوس فديتك بالمال والبنين والانعاما
ما ربت الدادات مثلك ضيغم وان حلّ ذكرك ذل كل هماما
صادوك ا رباب السياسة عندما نفذ القدر كان ذاك زمانا
حّدت فلسطين عليك واظلمت بلدانها مع نجدها نشاما
يا اهل سورية خنتم نزيلكم يبليكم الله بلاءً جزاما
وطرابلس ان شئت ميز اسمها تلقاها ابليس اللعين تماما
خنتم وعبتم في نزيل بلادكم ماعندكم شرف ولا زماما
سلمتموه الى الساسة عنوةً حتى حكم عليه بالاعداما
اسفى عليك تاسف حزن الى يوم القيامة حسدة وانداما . (63)


ملابس الثائر الفلسطيني الشهيد فارس  العزوني أحد قيادات ثورة 1936، معروضة في متحف الجيش البريطاني في قلعة دوفر في بريطانيا
ملابس الثائر الفلسطيني الشهيد فارس  العزوني أحد قيادات ثورة 1936، معروضة في متحف الجيش البريطاني في قلعة دوفر في بريطانيا
توضيح لمتعلقات الشهيد وسبب اعدامه بعد قتل سبعه جنود انجليز في حينها وأخذوا ملابسه العسكرية
توضيح لمتعلقات الشهيد وسبب اعدامه بعد قتل سبعه جنود انجليز في حينها وأخذوا ملابسه العسكرية
فارس العزوني

انتقادات وتقييم لمسيرة قائد فصيل الموت فارس العزوني :

سُجلت على هذا الفصيل عدد من المآخذ مما حمل البعض للقول أن فارس يمثل سلوك "مجرم " أكثر منه ثائراً ، وقد وصفه الكاتب الصهيوني سمسار الأراضي عزرا دنين بهذا الوصف ويظهر أن العديد من الفلاحين تأثروا بهذه الرواية ، كما أن المتضررين أشاعوا بين الناس هذا القول . رغم بطولته النادرة ومقارعته لقوات الاحتلال .
وقد وجد الباحث أن الانتقادات تتمحور في المسائل الآتية :
1) لم يكن فصيل فارس يمتلك وعياً ثورياً كافياً أو نظرية ثورية تحدد توجيه بوصلة الثورة ، وتكشف الطريق المناسب للعمل . كان عمله عفوياً وفردياً يقوم على ردة الفعل المباشرة مصحوباً بهاجس أمني كبير ، وذلك بسبب كثرة العملاء والجواسيس الذين كانوا يلاحقونه ويلاحقون الثوار ،كما أن فارس كان صغير السن قياساً بغيره من الثوار ، ومنهم : عبدالرحيم الحاج محمد وحمد زواتا ، وعارف عبدالرازق .
2) نجح بعض العملاء والمشبوهين في التسلل عبر الصفوف إلى الثورة ، ويرجح أنهم كانوا من اليهود ومنهم : محمد الحاج مسلم الحجازي الذي اخترق فصيل عارف عبدالرازق ثم انضم إلى فصيل فارس وبتكليف من عارف ، وكان هذا الشخص قاسياً في ردة فعله تجاه المتهمين بالعمالة للانجليز ورجال المعارضة ، وكأنه كان يسعر نار الخلافات العائلية ، ويقسو على الناس في ممارساته ، ويبتز الأموال منهم بحجة جمعه لمصلحة الثورة .
و كان حضوره قوياً في اغتيال عدد من قادة حزب المعارضة والمخاتير ،وحوله دارت روايات كثيرة ، وهو يقوم بتعذيب الأشخاص وابتزازهم إذا ما تأخروا عن دفع المال ويقوم بضربهم بالسياط ، ومنها سوط بطول مترين وبه رصاصة في مقدمته ، ويبدو أنه على علاقة باغتيال حسن صدقي الدجاني . كما أنه أطلق العنان للحاج مسلم ، الذي استغل تكليفه بعدد من المهمات وراح يعمق الشرخ بين العائلات الفلسطينية لمصلحة الاستعمار البريطاني والصهيونية ،وقد تصرف محمد الحاج مسلم بتصرفات قاسية أوحت للكثيرين على أن يده نظيفة ، ولقد كان عنواناً للاستياء العام ، ومثالاً صارخاً للقسوة في تعامله مع الجماهير التي كره بعضهم الثورة لوجود أمثاله في صفوفها ، وعلى صلة مع اليهود .

وهذه بعض الأعمال التي شارك فيه الحاج مسلم وأثارت الاستياء الشعبي :

أولاً :تجريد وتصفية حسن أبو نجيم قائد فصيل قلقيلية :

نسب إلى فارس تصفية أبو نجيم ، فهل كانت له علاقة بهذه التصفية ؟

كانت البداية الأولى للخلاف بين قادة فصائل الثورة في منطقة طولكرم قد ظهرت في الخلاف الذي حدث بين حسن علي ابونجيم قائد فصيل في مدينة قلقيلية ، والقائد العام عارف عبدالرازق في صيف عام 1938. ضم فصيل أبو نجيم عددا من شباب قلقيلية وشباب كفر ثلث كان منهم :بركات يوسف عودة ، وسلامة عودة ، و يونس عبدالله أبو خالد وغيرهم .

وقد تحدثت عن هذا الخلاف وأسبابه روايات مختلفة، تناولتها مصادر ومراجع مكتوبة وأخرى شفوية.

وتذكر هذه الروايات أن حسن أتهم بسلب فرس من قرية مجدل الصادق ،وأن الناس فيها اشتكوا لقائد الثورة العام عارف عبدالرازق ،وبناءً عليه تقرر الاجتماع به في كفرثلث ،لبحث الشكاوى الموجهة ضده (36 ) .

عندما شعر حسن أبو نجيم أنه سيحاسب من قبل القائد العام عارف عبدالرازق ومن معه من قادة الثورة أمثال : حمد زواتا وفارس العزوني . بيَّت خطة للانقضاض عليهم ، بحسب المثل الشعبي القائل: " بتغدى فيهم قبل ما يتعشوا بي " ، ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن .

كتب فيصل عبدالرازق نقلاً عن القائد حمد داود زواتا وآخرين حول الأحداث التي أوصلت لتجريد قائد الفصيل أبو نجيم " إن حسن من قلقيلية عين وسلح من قبل عارف وفصيله ، وصلت إلى عارف تعديات قام بها في منطقته قلقيلية لأسباب شخصية ليس لها علاقة بالثورة .

ثم جمع أموالاً وتصرف بها لحسابه الخاص ، شكاه الناس لعارف فأرسل في طلبه ولكنه بدلا من الحضور أرسل من يتوسط له فوسط سيف أبو كشك ، حضر سيف ومعه وجهاء آخرون إلى القيادة ، قبل عارف الوساطة على أن يمتنع أبو نجيم عن القيام بأعمال مماثلة ... عاد يتصرف كالسابق فاستدعاه عارف . عند ذلك تآمر أبو نجيم مع فصيله لاغيتال عارف ... ففي أثناء وجود عارف وقسم من مساعديه في قرية كفرثلث وكان حمد زواتا أحدهم . توجه أبو نجيم إلى كفرثلث ومعه فصيله المكون من ستين ثائراً ، ولكن قبل أن يدخل القرية أمر فصيله بالاختفاء في بقعة أرض مغطاة بالزيتون تابعة للقرية ، وقد أمر ثوار الفصيل أنه عند سماعهم ثلاث طلقات عليهم التقدم نحو البيت الذي يتواجد فيه عارف ومن معه ، وعند وصولهم للبيت عليهم تطويق البيت ثم القضاء على كل من بداخله من جماعة عارف ... جلس أبو نجيم مقابل عارف وكان عارف في تلك الأثناء مشغولاً بأمور تتعلق بالثورة . كان بالغرفة حمد ... وفارس العزوني ...أخذ الثلاثة بالحديث ، ولكن الشكوك جعلت حمد يهتم بمراقبة أبو نجيم بدقة ، لاحظ حمد أن أبو نجيم يحاول فك أزرار سرواله العسكري فارتاب بالأمر وأمسك بكلتا يديه خلف ظهره بينما شق حمد سروال أبو نجيم بينما أمسك فارس باليد الأخرى ... " (37 )

ويحفظ عدد كبير من الرواة الذين قابلتهم قصة أبو نجيم ويتفق سردها ، مع اختلافات بسيطة من شخص إلى آخر .

حدثني عدد من الرواة ، ومنهم : الثائر أسعد قاسم الذي كان مرافقاً لفارس العزوني يومئذ :فقال " صعد حسن أبو نجيم إلى الطابق الثاني في دار داود حسين شواهنة في كفرثلث ،أحد أقارب فارس ، وترك أعضاء الفصيل خارج الدار وقال لهم إذا سمعتم إطلاق نار قوموا بتجريد الفصائل الأخرى من السلاح ،واستعد لمقابلتهم ،و قد عقد العزم على تصفيتهم ، وخبأ مسدسه بين لباسه وحذائه الطويل .

جرى نقاش بين القادة الثلاثة وهم : عارف عبدالرازق وحمد زواتا ،وحسن أبو نجيم ، بينما كان فارس العزوني مختبئ في شباك الغرفة،و المغطى بقماش رقيق وأثناء نقاشهما معه وتوجيههما له بعض الأسئلة وقد اتهموه بسرقة فرس في قرية المجدل والإساءة للثورة ،واتهمه عارف بالتقصير حينما طوق الجيش البريطاني عارف ومن معه في أحد المعارك ولم يحاول تخليصهم . حاول حسن أن يلتقط مسدسه في محاولة منه لتصفية عارف وحمد ، فأسرع فارس بتحذير عارف عبدالرازق " أبو فيصل " الذي اصفر لون وجهه و تعارك معه ، وقبضوا على يديه وجردوه سلاحه وأخذوه خارج البيت، وأمروا أعضاء فصيله بالتخلي عنه وترك بعضهم الثورة منذ ذلك اليوم وانضم الباقون لفارس ،وطلب عارف من فارس أن يتولى مهمة تصفيته ، لكن فارس أسَّر إلى أسعد القاسم ، ونمر القنبر أن يتظاهروا بأنه هرب ويطلقوا عليه رصا صات في الهواء ،ونجح حسن أبو نجيم بالهرب و قبضوا عليه مرة ثانية في قرية سمسم من قرى غزة ، وقام حمد زواتا بتصفيته بعد أن جلدوه وعذبوه ،ثم أطلقوا النارعليه حيث نقلوه إلى كفر لاقف، وبقيت جثته في العراء المكشوف،وبعد أيام حضر أهله وقبر هناك في واحدة من المغارات الأثرية ( 38) .

أثار قتل حسن في أهله مشاعر التذمر والتقزز من هذا العمل ؛ خاصة وأن حسن أبو نجيم سبق له أن شارك في أعمال جهادية ومنها :عملية قتل بضعة أشخاص من الشرطة الإضافية البريطانية في قرية عزون وهي عملية راح فيها ما لا يقل عن 6 أشخاص، وكان ثائرا مستهدفا للقبض عليه من قبل الانجليز بعد أن قام بعمليات أخرى في السهل الساحلي الفلسطيني وهاجم مع آخرين المستعمرات القريبة من مدينة قلقيلية .

عن هذه العملية التي حدثت في عزون وتستحق الذكر يروي الحاج محمد عواد " تمركز الشرطة الإضافية في دواوين عزون منها : ديوان رضوان ،و ديوان عدوان ، ودار سليم ، وكان مطلوب من الناس خدمتهم ، وإطعام خيولهم عندها قرر الثوار وعلى رأسهم عارف عبد الرازق ، قال لهم بدي طلقة واحدة وهجوم واحد، ووزعهم في مجموعات منها : مجموعة حسن أبو نجيم توجه لديوان رضوان ، وعلي الهنطش (من صير ) أخذ مجموعة لدار سليم، وإلى ديوان العدوان توجه داوود زواتا ، وكانوا ثلاثين ثائرا في ثلاثة مجموعات ، ولكن حسن أبو نجيم أطلق النار قبل الباقين وطوقهم، وأخذوا سلاحهم وقتلوهم في ديوان دار رضوان ، وهرب بعضهم وقتلت خيولهم ، فقام الجيش الانجليزي وبلش ضرب في الناس وحتى جاء شوقي عبد الهادي أحد ضباط الشرطة ، وقال اللي بمد يده على عزون بورية ، ويا فواز الهواش كفى ، وحملنا قتلى الانجليز كانوا ( 7 ـ 8) ، وصادر الثوار سلاحهم وسحبوا حالهم ،وقاوموهم وعلى أثرها نسف الانجليز محلات شطارة، ودار فارس ،ومجموعها 10 دور" (39) .

كانت هذه العملية الثورية الجريئة عنواناً رئيساً لصحيفة الدفاع التي كان يحررها إبراهيم الشنطي ،وجاء في صدر صفحتها الأولى "مقتل 6 من ا لبوليس الإضافي وأخذ 11 بندقية ومسدسين ومسلحون يطوقون قرية كفرثلث لمدة طويلة " ،وأشارت الصحيفة إلى أن تطويق المدينة تم في نحو الساعة الثانية صباحاُ حيث طوقت عزون بما يقرب من مئة مسلح ،ثم دخل فريق منهم إلى القرية ،حيث طوقوا ديوان أل رضوان ،التي كان فيها أحد عشر نفرا من البوليس الإضافي ،ودخل المضافة ثلاثة مسلحون ،وطلبوا من البوليس الذي كان جالسا مع أهل المضافة الخروج خارج المضافة ثم أخذوا يطلقون النار عليهم وعلمنا انه قتل منهم ستة أنفار ، وجرح اثنان واخذ المسلحون احد عشر بندقية ، كما جاء في إخبارية وكيل المختار للبوليس ،وعلمنا أن المسلحون قتلوا ثلاثة رؤوس خيل للبوليس الإضافي واستمر إطلاق النار بين الطرفين مدة ثلاث ساعات .( 40 )

حول مصير حسن أبو نجيم حدثني كايد عواد فقال : "هرب أول مرة من قبل عبد الله القنبر ،وجاسر سليمان وتظاهروا بأنه فر منهم ، وقد أطلقوا النار عليه في الهواء ،وفي يوم من الأيام قام شخص من قرية سمسم من قرى غزة بتقييده وأحضره للثائر حمد زواتا " أبو فؤاد " الذي أعدمه على طريق عزون كفر لاقف،وقد انتقمت منه واحده من عائلات قلقيلية التي كانت على خلاف معه ، ودفعوا مصاري للخلاص منه " (41).

أدى قتل حسن إلى كراهية بعض أقاربه ومؤيديهم للثورة ، وافتراق عدد كبير من أعضاء فصيله عن الثورة ،وقد نسب إلى فارس مسؤوليته عن قتل حسن أبو نجيم وهي رواية ثبت للباحث عدم صحتها .

ثانياً : قتل أحمد شطارة من مدينة قلقيلية :

ومما نسب إلى فارس العزوني من ممارسات وأخطاء قيامة بقتل أحمد أبو شطارة من عائلة شريم في مدينة قلقيلية ، وهو شخص ساعد فارس في هربه من سجن عكا ،وتم تصوير فارس على أنه شخص ناكر للجميل ومجرم بحق أصحابه ، حدثني أسعد القاسم فقال : " التحق أحمد الشطارة مع الثورة ،وقالوا لفارس أنه يريد اغتيالك قال: هذا صاحبي.

ولكنهم كانوا في احد الليالي سائرين، وأحمد شطارة من الجملة، وصار شطارة يضرب على فارس نار واستحكم فارس، وقال لجماعته: انسحاب وتوجهوا لمروج عسله.

وقال له أحمد شطارة :لا تؤاخذني يمكن جاء الرصاص بالخطأ تجاهك.

فارس لم يحتمل الموقف أخذه "للعيون" شرق كفر ثلث وطخه بيده ، ووصى على أخوه وابن عمه ، وقام لطفي عبد الرحمن سليم من كفرثلث بنقله على جمل مقابل الحصول على خمسة دنانير بعد أن تركه فارس في العراء المكشوف " ( 42).

ثالثاً : إعدام نساء وقتل مختار من قرية عزون :

يرى الباحث أن إعدام بضعة نساء من قرية عزون يعتبر من الأخطاء الجسيمة، التي ارتكبت وأساءت للثورة برغم المسوغات والمبررات التي ساقها البعض ممن روا حول إعدامهن .وقد تم إعدامهن رمياً بالرصاص بتهمة الإساءة للأخلاق والشرف أثناء حصار الانجليز المتكرر لبلدة عزون ، وقد طالت أربع نساء متزوجات .

وحول مسوغات قتل مجموعة النسوة توجهت بسؤال إلى المعلم المتقاعد والكاتب في تاريخ عزون عبد الخالق يحيى ، فأجابني : "أن مسوغات، ومبررات قتلهن لم تكن منطقية، وغير مقبولة خاصة وأن بعضهن طالبن بميراثهن من الأهل" ( 47) .

حول الأسباب والطريقة التي تم فيها إعدامهن ، حدثتني أرملة الشهيد فارس فقالت : " جاء فارس من الزاوية على دار رضوان ، وفتحوا له غرفة وطلبهن ، وعبر معهن في غرفه ، واحدة منهن كانت معها بنتها ، وأخرى معها أبنها وأمر بإحضار أزواجهن ، الذين شهدوا على سوء أخلاقهن ، وكتبت مجموعة من أهالي البلد ورقة بهذا الخصوص ، وطالبوا بمحاكمتهن وأخذوا الأطفال ، وصفهن فارس صف واحد، وأعطاهن طلق واحد ، وأغلق عليهن الباب وخرج ، ونصحته والدته بأن لا يقتلهن ، وقالت هذا حرام ، قال لها في رقبة الشيخ ...والذين شهدوا ضدهن *(43) .

كانت هذه التصفيات وعمليات القتل التي طالت أربع نساء في قرية عزون ومختار قرية عزون ،وقتل بضعة أشخاص من قرى رام الله واغتيال حسن صدقي الدجاني ـ بما يقرب من عشرين عربيا ـ ً إلى جانب تعذيب آخرين .

كانت دافعا للرعب الذي طال أفئدة المخاتير والمعارضين الموالين لبريطانيا ، ويظهر أن المعارضين في منطقة رام الله نالهم قسط وافر من التصفيات والبطش ، وما من شك أن هذه القرارات للتصفيات كانت ورائها تعليمات قيادية أعلى وجهة سياسية تمول أعمال التصفية ، وليس من المعقول أن تكون جميعها وليدة قرار يتخذه فارس في غضون شهور .

...........................................

و يميل الباحث للرأي القائل أن اللجنة المركزية للجهاد كانت تدفع الثوار لهذه الاغتيالات وكان المفتي يشجعها.

ولعل حادثة تصفية مختارعزون تلقي بظلالها على هذه المسألة .التي عادت بمردود سيء على الثورة ، التي خسرت جماهيرها ، وارتعدت فرائس المخاتير ،وخاصة كلما سمعوا بقدوم فارس ، وخاصة في قرى رام الله قلقيلية .

لقد أوغل فارس في عملية اغتيالات وتصفية مخاتيرمن حزب المعارضة مدفوعاً كما يبدو من حزب الحسيني ومن أشخاص مقربين منه ، كما كانت أحياناً تأتي بعمليات دس وتخريب من المقربين منه ، وقد اتفق سلوك يوسف أبو درة الذي اغتال أكثر من 42 مختاراً اتهموا بالعمالة ، مع سلوك فارس وعبدا لله الأسعد ،وكان أبو درة يحبسهم في أحد الآبار وإذا أشار بإصبعه وقال : "ريّحوه " فمعنى ذلك أنه قتل وراح في غيابة الجب ، كذلك الحال غرق عبدالله الأسعد في عمليات قتل نساء وتصفية أشخاص اتهموا بالعمالة والجاسوسية ، وقد انتقدت الصحافة المقربة من المعارضة سياسة الاغتيالات والقتل لأكثر من سبعين رجلاً وامرأة قتلوا بمبررات ومسوغات شتى وهاجمت عارف عبدالرازق باعتباره اليد اليمنى للذراع المتطرف الذي يقوده مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني ( انظر ملحق الجهاد )

كانت حادثة قتل مختار عزون وخال فارس أكثرها حساسية ومدعاةً للتساؤل ، وفيها قيل قول كثير وسمع الباحث أقوال شتى تراوحت بين اتهام فارس لخاله بالعمالة للبريطانيين وبعضهم اعتبرها دس وافتراء راح فارس ضحيتها ، ومنهم من قال أن الحاج مسلم قام بتصفيته ، وآخرين قالوا أن فارس قام باعدامه عن سابق تصميم ولم تنجح شفاعة أمه في أخيها ، وأجال الباحث النظر في مصادر عديدة فلم يجد أية وثيقة تنفي أو تثبت صحة هذا الموضوع.*

وكان فارس يعد العدة لإعدام عشرة أشخاص كانوا في غالبيتهم من حمولة دار عودة بتهمة الخيانة وبيع الأراضي ،ولولا توسط حمد زواتا ومجيئه إلى كفر ثلث في اللحظة الأخيرة لوقعت عملية سفك دماء غير محمودة العواقب وكانت التهمة من دس أشخاص منافسين من عائلات أخرى ، وتصدى له حمد زواتا ، ومنعه من هذا العمل بعد أن استفرد بأحدهم وجلده بسوطه عدة جلدات.

وقال حمد : "بهذه الطريقة ستخرب الثورة يا فارس ، وتجلب الأعداء ." ( 43) .

بعث عمل فارس الغضب لدى أبناء خريش ، ومنهم : عضو الفصيل حسن أبو عمر ، الذي أبدى امتعاضه مما حدث من قتل وسواه من تعذيب لعدد من الأشخاص فقرر أن لا يعمل مع فصيل فارس .

طلب فارس من حسن أبو عمر تصنيع كبسولات للثورة فأعتذر بأنه مشغول في بعض الأعمال الخاصة به.

عندها استشاط فارس غضبا وهدده بالموت، وتعارك الاثنان أمام جمع من الناس.

حدثني حسن أبو عمر قائلا : " كنا في دار رشيد عبد حسن ،وحضر فارس ومعه سليم عيسى حط فيه جلد ، وتوسط له رشيد ويعقوب إسماعيل ، فطلب منهم أن يدفع مالاً للثورة ، وقد طلب خمسين جنيهاً ، أخذوا يوسطون حتى نزلها إلى عشرة ثم طلب مني فارس أن أصنع كبسولات ، فاعتذرت ، لكنه حاول أن يغصبني فرفضت ،واسودت الدنيا في ناظري، وتخانقنا،وتعاركنا ، وحاول الحاج محمد مسلم أن يقتلني ، لكنني دفعت فارس أمامه ، والناس تحاول الفصل بيننا ،وقلت أعطيني الأمان وأعطاني ،وأصلحونا ،وعاد يطلب أن أعمل .

قلت :سأعمل خمسين كبسولة ،ولكن بعدين .

فقال فارس : أسمعوا يا الحاضرين لو أنكم جميعا بجرأة هذا الرجل لانتصرنا على العدو " (45) .

وعن الأسلوب الفض الذي اتبعه فصيل الموت مع الناس ، حدثني حسن حسين فقال : " أحضر فصيل فارس إلى بلدنا ثلاثة أشخاص من كفر قاسم اتهموا بالعمالة ،واقتادهم في وسط القرية قرب المدرسة القديمة عند ساحة ألتوته ،وجاء الطلاب من المدرسة لمشاهدتهم ، وكانت آثار التعذيب بادية ًفي وجوههم ، وراح يجلدهم في سوطه " ( 46).

رغم ذلك كانت للثائر فارس مواقف صارمة تجاه الذين يحاولون التلاعب بالثورة ، ومن النوادر التي نسبت لرفاقه في السلاح أن احدهم يدعى مصطفى البدوي من شرق الأردن كان حراثا ًيعمل عند اّل قزمار من كفرثلث ،وقد انضم إلى عناصر فصيل فارس العزوني ، وقد دعي هؤلاء إلى وجبة طعام في بيت داود عرار ، وعندما وضعت المائدة ، اشترط البدوي الثائر إحضار ملعقة طعام ليتناول طعامه .

فصاح داود قائلاً : يا فارس من أين أحضرت هؤلاء الثوار ؟

التفت إليه فارس وسأله عن الأمر .

فأخبره داود بطلب البدوي ، فجرده سلاحه وسلمه لغيره ،ورجع إلى عبدالرحمن قزمار يرعى غنمه "( 48).

وعن تدخل الثورة في حياة الناس ومفرداتها ، وتأليه الفرد القائد ، وأن من يسب القائد يعذب ويجلد أو يعاقب حدثني مصطفى عبدالوهاب الحامد عن أبيه أنه قال " التقيت بابنة خالة فارس حسين داود من كفرثلث .

فسأله عنه : فرد عليه ، لقد أصبح قائد فصيل .

فقال عبدالوهاب مستهزئاً : والله يا فروستين صار قائد ثورة !.

وصل استهزاءه إلى فارس ، فجاء إليه .

وقد هدده بسوطه وفرض عليه خمسين جلده .

استغرب الحاضرون، وقالوا لفارس أن جسمه النحيل لا يحتمل هذا السوط، وتوسطوا له أن يدفع خمس جنيهات للثورة مقابل العفو عنه " (49).

كان أحد الأخطاء التي ارتكبها قادة الفصيل هي التدخل في تفاصيل حياة الناس ،واستخدام أسلوب التصفيات لأشخاص من حزب المعارضة مما أذكى روح التمرد والعصيان لديهم ، وقد ارتمى هؤلاء في أحضان العدو وبدأت الثورة تخسر جماهيرها شيئاً فشيئا خاصةً أن الروح العصبية والعائلية المستشرية بين الناس لا تقبل بالإساءة لأي من أبناء العائلة حتى وان كان عميلاً لأن الشعب كان يعاني من التخلف ولم يرتقي بعد لمستوى الوعي الوطني والقومي ولم يحاكم الأمور بهذا المعيار .

لقد بات قائد الفصيل يتدخل في مفردات كثيرة ، وهو الحاكم في منطقته ، وقد تم تخطي دور المحاكم البريطانية وصارت ترفع القضايا المختلفة إليه للحكم فيها سواءً في عزون أو كفرثلث أو كفرقاسم وغيرها ، وقد شكل لجنة إصلاح في عزون كان رئيسها يحيى سويدان ،وحينما جرب أحد الأشخاص من عزون أن يأخذ على عاتقه عمل قاضي للثورة في قرية بديا ، وبلغ فارس أمره ، عمل فارس على وضع حد له وجلده .

كما أن فارس وضع حدا لبعض أعضاء أحد الفصائل في رام الله ، الذي ضايق أحد القساوسة المسيحيين في عابود ، وعرض عليه عدد من العناصر ، حتى عرف الشخص ، الذي اعتدى عليه وعاقبه

رابعاً :اتهام فصيل فارس باغتيال حسن صدقي الدجاني .

حسن صدقي الدجاني أحد الشخصيات الفلسطينية البارزة . كان سكرتيراً لحزب الدفاع ، عرف كمعارض للحاج أمين الحسيني ، عرف بدوره في إضراب سائقي السيارات . كان على صلة وثيقة مع القائد عارف عبدالرازق واجتمع معه مراراً ،وتدارس معه شؤون الثورة ، وقدم العون للثوار من ملابس ومال ، و في يوم 12/ 10/ 1938 اجتمع مع عارف و أثناء عودته إلى القدس تعرض للاغتيال، وكان عارف أكثر الناس حزناً وتأسفاً على اغتياله خاصة أن مصرعه يرتبط بزيارته له ، واعتبر أنه عمل جبان وغادر ، وأنهم سيقولون أن عارف مسئول عن اغتياله ، ولم يكن هذا العمل ببعيد عن عمل عملاء المخابرات البريطانية والصهيونية ، وقد سبب هذا العمل فسادا في البلاد ، ولقد راح فخري النشاشيبي يوزع منشورا في فلسطين وخارجها وفيه يتهم عارف بأنه وراء حادثة القتل هذه ، وأخذ يثير أحقاد مختلفة في منشوراته ( ) ( فيصل ص 88).

كان اغتيال حسن من أكثر أعمال القتل سببا لحدوث الفتنة والفوضى في فلسطين،وتسعير الخلافات العائلية، والعصبيات الحزبية، و ثارت الأسئلة الكثيرة حول اغتياله ، وظل السر مجهولاً ، وتضاربت الأقوال في هذا الاغتيال ، ومن المسئول عنه ، وقد ألصقها البعض بعارف عبدالرازق وآخرين قالوا أن داود الحسيني كان وراء الاغتيال، ونسبها البعض إلى عملاء دوائر بريطانية ويهودية .

بعد بحث وتقصي رجح الباحث إلى أن أعضاء من فصيل الموت بقيادة فارس العزوني كان على علاقة باغتياله ويظهر أنه كان من عمل الحاج محمد مسلم الحجازي ،ومشاركه اثنين من أعضاء الفصيل ، وشاع في منطقة قلقيلية أن أحدهما من قرية عسله والآخر من قرية عزون ، ويرجح أن أوامر القتل جاءتهما من داود الحسيني ، مع مباركة ضمنية من المفتي الحاج أمين الحسيني ومعرفة مسبقة من قائد الفصيل فارس العزوني ،وكان خروج حسن بعد اجتماعه بعارف عبدالرازق مدعاةً للظن فيه واتهامه وأنه لا يوجد ما يبرى عارف عبدالرازق منها إلا أن الخلق العربي المسلم ، الذي يرفض الغدر بالضيف ، حيث قتل بعد اجتماعه معه وإعرابه عن مد يد العون للثورة والثوار !.

لقد اتهم عارف بأنه وراء اغتياله رغم نفيه لهذه التهمة ،ولكن كيف اغتيل حسن ؟

تذكر بعض الروايات التي تناولها أحد الباحثين أن حسن صدقي الدجاني دعي إلى عارف عبدالرازق و بناءً على طلب القائد عارف للبحث في وضع الثورة والحاجة للمساعدة ، وتقديم ملابس للثوار ، وقد جرى اجتماعاً ودياً بينهما وفي الوقت الذي كان يجتمع فيه عارف مع حسن ، كان يتواجد ثلاثة من الرجال يلبسون ألبسة شامية هم الدكتور ...الحسيني وسليم حسين الحسيني ومحمد سليم أبو لبن . كانوا في مهمة تتعلق بالثورة ومبعوثين من اللجنة المركزية للجهاد في دمشق وبيروت ، وعند وصول حسن دخلوا إلى غرفة أخرى ،ولم يشاهدهم حسن صدقي وعارف عبدالرازق ، وغادر هؤلاء المكان قبل تناول حسن العشاء مع عارف .

كان محور السؤال أين ذهب هؤلاء ؟ ومع من اجتمعوا بعد ذلك ، وماذا فعلوا ، وهل كان لهم صلة بمصرع حسن صدقي ؟ وهل كان للصهاينة والاستعمار البريطاني ضلع في هذه المسألة ؟ ( فيصل ص 91) .

ما إن خرج حسن بعد اجتماعه مع عارف وقاربت الشمس على المغيب ،واقترب من قرية رأس ابن سمحان (رأس كركر ) حتى التقى به ثلاثة أشخاص وقتلوه وفوجئ عارف عبد الرازق في اليوم التالي بالصحف وأقلام حزب المعارضة التي دقت طبولها في طول البلاد وعرضها. (50).

اتهمت أقلام حزب المعارضة وعلى رأسها فخري النشاشيبي عارف عبدالرازق بأنه الذراع الأيمن للمفتي وأنه المسئول عن اغتيال حسن حيث حدث بعد خروجه من عنده واجتماعه معه ، أما عارف فقد أنكر التهمة المنسوبة إليه وراح فخري يغذي مشاعر الحقد والكراهية ضد الثورة ونشط في إقامة صلاته مع البريطانيين واليهود ، وأصدر منشورات تهاجم عارف عبدالرازق ، في كتيب سماه (صوت من قبور فلسطين )، واعتبر الحاج أمين شخص يغذي الأعمال الهدامة ويعتمد فيها على عارف عبدالرازق الذي باع نصف أراضي طولكرم لليهود ، والذي انحصرت جهوده في الفتك بزعماء البلاد ،وأنه كان وراء تشتيت الفلاحين بعد أن سمسر وباع الأرض لليهود ، وأن أوامر القتل جاءت من الشام ،وقد رد عليه عارف بمنشور ثوري كذب ادعاءاته ووصفه بخائن الأمة والخارج عن دينها ووصفه " ب بـ "الأدون فخريوش " تعبيرا عن يهوديته .( فيصل،عارف عبدالرازق:أمجاد ثورية ص 102ـ 104 بتصرف ).

شاع بين الناس في منطقة قلقيلية أن ثلاثة أشخاص من فصيل فارس كان لهم دور في اغتيال حسن بناءً على أوامر جاءتهم من داود الحسيني ، ومنهم : الشهيد نمر القنبر من قرية عزون ، والثائر أسعد القاسم ، ومحمد الحاج مسلم ، . اهتم الباحث بسماع عدد من الروايات وقابل الأشخاص المتهمين وسواهم وهذه عدد من الروايات التي قيلت حول مصرع حسن:

حدثنا الثائر الشيخ عبدالفتاح المزوعاوي قائد فصيل رام الله وغور الأردن أن فصيل فارس ومعه الحاج محمد المسلم كان وراء اغتيال حسن صدقي الد جاني و بأوامر من الدكتور داود الحسيني ، وأن عدد الذين نفذوا مهمة الاغتيال كانوا ثلاثة أشخاص وقد رجاهم أن يتركوه وشأنه ويدفع لهم مالاً لكنهم رفضوا.

وتوجه الباحث ومعه عبدالخالق يحيى وولده جهاد بسؤال الثائر أسعد القاسم إن كانت له علاقة بمصرع حسن فأنكر ثم لم يقدم معلومات عن القاتل . حدثنا أسعد أنه سجن ومعه نمر القنبر لمدة شهر في سجن طولكرم وعذبوا تعذيباً شديدا ، حيث اتهموا باغتيال حسن صدقي الدجاني وأنكروا بعد تعذيب شديد ، وأفرج عنهم دون اعتراف ، وبسبب ذلك شاع بين الناس أنهما مسئولين عن اغتياله (53) .

حدثنا أحمد البدوان من قرية عزون الذي كان عضواً في فصيل عارف :"قام الحاج مسلم وأسعد القاسم ، ونمر القنبر بقتل حسن ، وأخذت من أسعد القلم الذي أخذه من حسن بعد قتله ، وكانوا قد أخذوا قلمه وساعته وخاتمه " (مقابلة مع أحمد البدوان ).

حدثنا عبدالعزيز إسماعيل عودة عن مختار كفرثلث احمد عبدالرحمن الخطيب صديق فارس في زمن الثورة أنه قال " لقد كلفني فارس أن أحمل خاتم حسن صدقي ، وتوجهت به إلى لبنان إلى دار مفتي فلسطين ، واجتمعت معه بعد أن فوجئ حراسه بي ، ومنعوني من الدخول ولكن حينما اطمئن المفتي وعرف سبب قدومي سمح لي بالدخول ، وقلت له فارس يهديك السلام ويقول هذه علامة قتل حسن ، وكان الخاتم هو العلامة ".

وحول هذا الموضوع أورد فيصل عارف تقارير لجواسيس عرب محفوظة في الأرشيف الصهيوني المركزي في القدس تحت رقم 10098/ 25س

وفيه : لقد كان حسن صدقي أكثر رجال المعارضة مقاومة للمفتي ، لم يترك أي مناسبة بدون أن يتحداه سواء في داخل البلاد وخارجها . حاول المفتي عدة مرات مصالحته ولكن بدون جدوى ... ومع ازدياد الإرهاب في القدس ومنطقتها طلب من عائلة الدجاني عدة مرات مساعدة العصابات ماليا فاستجابت لذلك الطلب . عائلة الجاني طلبت من حسن أن يكون الوسيط بين العائلة والإرهابيين وبدأ حسن بالتقرب من عارف عبدالرازق وأقام صداقة معه وكان عارف يدعوا حسن لمقابلته كلما كان في منطقة القدس ويتشاور معه ، هذه الأمور وصلت المفتي فأثارت غضبه فطلب المفتي من عارف أن يستغل زيارة حسن صدقي إليه ويقتله ، ولكن عارف أجل الموضوع من يوم لآخر وفي النهاية ازداد ضغط المفتي عليه فرفض وطلب إيضاح الأسباب لقتله وتكرر طلب المفتي . بعث المفتي مواد كثيرة تتهم حسن صدقي ولكن ذلك لم يساعد في إقناع عارف، ونتيجة لذلك توجه المفتي لعبد الرحيم الحاج محمد... أصر عبدا لرحيم على عارف فوافق عارف على اغتيال حسن صدقي ولكن بشرط أن لا يتم تنفيذ ذلك على يده أو على يد أحد من الثوار التابعين له ..." (ص 86 ).

وفي تقرير آخر قدمه احد الجواسيس العرب للصهاينة ويسمى حسن والمرقم برقم 150 / 281 الموجود في أرشيف الهجانا في تل أبيب "... كان في الاجتماع لجنة قضاة جرى تركيبها في سوريا ، أعضاؤها كانوا الدكتور داوود الحسيني ، عارف الجاعوني ، عزالدين الشوا ، أبو إبراهيم الكبير وكان رئيس اللجنة الدكتور داود الحسيني ( قتلوا حسن صدقي الذي حكم عليه بالموت من قبل اللجنة المذكورة التي حضرت من سوريا ، وكان ذلك في قرية رأس كركر ، عندما حضر إليها حسن صدقي وأخوه داوود وابن عمه عزيز الداودي بناء على دعوة من عارف تتعلق بقضية شكوى قدموها على احد الثوار ، أرسلوا وراءهم شخص يدعى الحاج محمد المسلم ومعه بعض المسلحين ، وعندما لحق المسلحون بحسن صدقي ومرافقيه قرب الحرش قتلوا حسن صدقي ... ثم ذهبوا إلى بديا، حيث قاموا بهدم بيت طاهر أبو حجلة وبيت رفيق أبو حجلة " ( فيصل ص 93 ).

توجه الباحث بسؤال للثائر الشاهد أسعد القاسم فقال : أن فصيل فارس توجه إلى بديا وحاول قتل رفيق طه ففر منه وهدم بيته " .

يبدو أن هناك مجموعة من المستعربين نجحت في دخول الثورة ، ويمكن الاستدلال على دورها الواضح من خلال الدور الذي لعبه الحاج محمد المسلم ، الذي قام بتعذيب العديد من الأشخاص ، حيث طلب منهم تارةً المال لحساب الثورة أو سارع بقتل البعض بتهمة العمالة للاحتلال البريطاني ، ومنها حادثة قتل حسن صدقي الدجاني ، وقتل حسن علي ابونجيم وقتل علي البدوان ، وتعذيب أحمد صالح خروب من قرية حبله،وإجباره على دفع مال لحساب الثورة رغم فقره المدقع إلى الحد الذي اضطر فيه أن يرسل ولده الشاعر الشعبي محمد خروب إلى كفرثلث عند أخواله من آل عرار للاستدانة ودفع الضريبة للثورة ويظهر أن الشبهات راجت حول شخصية الحاج مسلم كيهودي تسلل لصفوف الثورة حدثني عبدا لخالق سويدان : "ولقد أثارت اللكنة الغريبة عن العربية عند الحاج مسلم استهجان أحمد خروب " أبو سليمان " الذي صاح بين الحاضرين ، وقال : يقولوا حاج ومسلم والله ما هو مسلم هو خور الواوي ( أي مستعمرة رعنا نيا ) ( ) ، وروى مثل ذلك داود الأشقر من قرية كفرثلث ( ).

وحول شخصية الحاج محمد مسلم لم يؤيد أسعد القاسم أن يكون يهودياً مستعرباً ، ولكنه أقر بأنه عمل لمصلحته الخاصة ،حدثنا أسعد القاسم :

" قمت بتفتيشه فوجدت أنه يلف حول وسطه زنار من الذهب المرصع داخل التمر ،وقد غادر برفقة عارف عبدالرازق إلى العراق ، ومنها توسط له عارف عند قنصل السعودية ، وعاد إليها " ( 55).

لقد أجمع كثيرون على أن الثورة اخترقت من قبل مجموعة يهود كان أحدهم الحاج مسلم، وقد سمعت روايات شتى عن مصيره، فالبعض أشار أنه توجه للسعودية، وآخرين شاهدوه في مستعمرة رأس العين بعد حرب 1967

يميل الباحث للقول أن الحاج محمد المسلم وأمثاله أساءوا للثورة ، وليس من الغرابة في شيء أن يندسوا في الثورة* التي كان ينقص أصحابها الوعي الكافي ، ويظهر أن فصيل فارس استجاب لرغبة حزب المجلسيين في اغتيال وتصفية عدد من معارضيهم ،خاصة وأن فارس كان معجبا إلى حد كبير بالمفتي ويضع صورة المفتي على صدره ، وربما أعطى داود الحسيني تعليماته بالاغتيال بعد أن رافقهم بذريعة أنه مفتش ثورة وأن كان يرافق أعضاء الفصيل في صورة ثائر سوري يلبس ملابس شامية ، كما أن مصادر عديدة من الباحثين والكتاب كانت تتهم المفتي بعلاقته بالاغتيالات والقتل لمعارضيه أو بمحاولته شراء الذمم بالمال .

موقف القائد العام للثورة عارف عبدالرازق من تمرد فارس العزوني :

أصدر عارف أمراً باعتقال فارس بعد أن كثرت الشكاوى تجاه فصيل فارس العزوني وتمرده على القائد العام عارف عبدالرازق ، وقرر عارف القبض عليه وتجريده سلاحه ومحاكمته ، ولكن كيف تمت هذه الخطوة ؟

يذكر فيصل عارف عبدالرازق نقلاً عن الثائرين حمد زواتا وذياب المرجان في مقابلاته معهما أن عارف أرسل صديقه حمد ومعه ثلاثة ثوار إلى كفرثلث حيث كان يتواجد فارس وفصيله . وقد وصل حمد إلى كفرثلث وتحدث مع فارس وأظهر له تجاهله لخلافه مع عارف ، وذكر له أن رسائل و مكاتيب جاءت من دمشق . انطلت هذه الحيلة على فارس ووافق الذهاب معه .

توجه فارس ومعه ما يقارب خمسة عشر ثائراً واتجهوا إلى قرية سرطة وحينما وصلها فارس ومن معه كان متعباً فنزلوا في بيت . نام فارس في غرفة ونام حمد في الغرفة الأخرى ونام الثوار المرافقين لفارس في غرفة ثالثة وصل عارف إلى البيت الذي يقيم فيه فارس وكان يغط في توم عميق . جلس حمد وعارف على جانبي فارس وبعد التحية أخرج عارف بعض الرسائل وقال أنها من دمشق ،وقبل أن يتم عارف حديثه كانت أيدي عارف وحمد قدسبقت فارس على الإمساك به قبل أن يدخلها لجيبه حيث كلن يحمل مسدسين، وحوكم فارس في محكمة الثورة وصدر بحقه حكم تلاه عبدالمنان الجبالي من قرية الطيبة في المثلث ،حيث حكم عليه بالإعدام ، ولكنه أمر بالإفراج عنه لأن رصيد أعماله الثورية غطت على أخطاءه وشفعت له ( فيصل عارف : ص 191ـ 192 )

ـــــــــــــــ

حدثني ذيب ظاهر غرابة أنه التقى بالحاج مسلم في مستعمرة رأس العين بعد عام 1967 ، وكان ختيار كبير وسأله بحضور أشخاص من كفرثلث لماذا كنت تقتل العرب فأجاب هم من أمروني ، وهذه اشارة ليهودية الحاج مسلم .(مقابلة في 2/5/2002)






وهذه لائحة بالاتهامات الموجهة لفارس كما جاءت في منشور وزعه عارف عبدالرازق .

مكتب الثورة الكبرى في فلسطين
بسم الله الرحمن الرحيم
التاريخ 9/ 2/ 1939 قرار حكم صادر ضد فارس رقم 15/ 39 .
الاتهام:
1ـ عدم إطاعة الأوامر الصادرة عن القيادة العليا .
2ـ تهديد السكان مما سبب انقلابهم إلى أعداء للثورة ، نتج عن ذلك ازدياد عدد الجواسيس في البلاد .
3ـ قتل كثير من الناس الأبرياء بينهم أربعة نساء من عزون بدون أي سبب أو مبرر.
4ـ توجيه سلاح الأمة ضد الأمة من أجل أهداف شخصية ، كما حدث عند إطلاق الرصاص على عائلة شريم من قلقيلية عندما رفضت دفع مائتي جنيه ،ونتيجة لهذا الحادث هرب أفرادها غلى سوريا من الظلم والاضطهاد .
5 ـ اختلاس ممتلكات السكان دون أي سبب وبدون تفويض من القيادة .
6أـ إطلاق سراح الجاسوس الخائن فهمي صوفان بسبب أهداف شخصية .
باسم الله والوطن : أنا القائد العام للثورة العربية في فلسطين أمر بإلقاء القبض على فارس العزوني وتجريده من سلاحه ، وإحضاره للمحاكمة أمام محكمة الثورة العسكرية بسبب الجرائم المذكورة التي نفذت على يده .
محكمة الثورة العسكرية تعقد جلسة طارئة لمحاكمة هذا الرجل . وبصفتي رئيساً للمحكمة العسكرية بالدرجة الأولى وبدرجة محكمة استئناف فحصت الاتهامات ، وبحيث أنه وجد مذنباً بالاتهامات المذكورة التي تناقض وتلطخ أسم الثورة المقدسة ، وتؤكد المسموعات السيئة المنتشرة ضدنا وضد الثورة العربية الكبرى .
لذلك أنا قائد الثورة العام ورئيس المحكمة العسكرية أحكم:
! ـ المتهم المذكور فارس العزوني يحكم بالموت رميا بالرصاص .
هذا الحكم تلي أمامه وهو غير قابل للاستئناف.
2ـ إرجاع الممتلكات التي اغتصبها من السكان .
" الله مولانا وناصرنا ... آمين "
التوقيع
رئيس محكمة العدل العليا للثورة في فلسطين
المتوكل على الله عارف عبدالرازق
ختم قيادة الثورة في سوريا الجنوبية " .( انظر : وثائق وشخصيات : عزرا دنين ، ص 79ـ 80 )

وحول الطريقة التي استدرج بها القائد العام عارف عبدالرازق قائد فصيل الموت العزوني ،حدثنا ثائر آخر كان أحد الذين حضروا محاكمة فارس . حدثنا أسعد القاسم ، فقال : " أرسل عارف لفارس بوساطة رفيقه حمد زواتا كتابا يدعوه للقدوم إلى قراوه بني حسان للاطلاع على رسائل ومكاتيب جاءت من سوريا ،وأمره بأن لا يأتي برجاله ، ومن الأفضل أن يجردهم سلاحهم لأنهم سيغادرون إلى دمشق فانطلت الحيلة على فارس وخبأ السلاح شرق قرية عزون ، وأبقى معه مسدسان .
رفضت ومعي نمر القنبر أن نخلع سلاحنا ، وراودنا الشك فيما قاله حمد ،وتوجهنا إلى قراوة بني حسان ووصلها فارس وهو متعبً واستلقى على الأرض ونام ،عندها جاء إليه عارف عبدالرازق وحمد داود وأشهرا عليه سلاحهما ،وطلبا منه أن يمتثل لأوامر محكمة الثورة ،ووقف فارس أمام المحكمة الشعبية ليوجه له عبد المنان الجبالي بعض التهم ،منها : التمرد على أوامر القائد العام عارف عبدالرازق وارتكاب أعمال جرائم وقتل .

وقبل بدأ المحاكمة،قال عارف : أن من يحاكم أمام محكمة ثورية عليه أن يخلع لباسه العسكري .
والبسوه بدلا منها ملابس ممزقة ،وكانت حالته تثير الشفقة ،ونحن نراقب الموقف ،وقد أحضروا طاولةَ لمحاكمته،بعد أن أخذوا مسدسه وسألوا فارس أن يسلم قيادة الفصيل وزعامته لنمر القنبر فوافق ، لكن القنبر رفض ،وبعدها أركبوه فرسه، وصاروا به إلى سرطة ،وحينما أبعدوا عن الطريق قذفوا به عنها ، وأركبوه جحشاً خوفا من أن يراه الناس ،وفي الطريق حاول ذيب المرجان من قرية بديا أن يأخذ سلاحي فاستحكمت ،وهددت من يقترب مني ، فقال عارف يا أخي ليس لنا حاجة عند أسعد ،ووصلوا سرطة، وهناك في وسط القرية جمعهم عارف، وخطب فيهم ، وقال أصبحت نمرود يا فارس !

وها أنت تقتل فلاناً وفلانا
فرد فارس هذا بأمرك ،وهذا بأمرك .
ولكن من أمرك بقتل نساء عزون .
هذا بأمري .
وبأمر من قتلت علي البدوان ؟
قتلته بأمري.
وقد قرأ فيها لوائح الاتهام التي صاغتها محكمة الثورة وجاءت على لسان أحد مساعديه المدعو عبدالمنان الجبالي ، الذي أدان فارس بالحكم شنقا .
وحكم عليه عارف عبدالرازق بصفته القائد العام المسئول عن محكمة الثورة بالإعدام .
قابل الناس هذا الحكم بالهتاف والتهليل، وهتفوا بصوت مدوي قائلين الله أكبر فليحيا العدل.
وسار عارف ومعه رفاقه ، ومعهم فارس . وعبروا وادي قانا متجهين إلى دير استيا ،وحاول عارف أن يغير طريقه ،واتجاهه حتى لا نعرف وجهته ،ولأني كنت أعرف أساليبه اتجهت نحو دير استيا ،ونزلنا في بيت "أبو معروف " من دار منصور ،وتساءل قائلاً : مالكم شو صار لكم .
ونزلوا بفارس في دار زعيم القرية مصطفى الموسى أبو حجلة ،وتضايق عارف من وجودي وما هي سوى لحظات وإذا بالإنجليز قادمين .
فقال عارف :أنت أخبرت عنا ، أنت جاسوس .
قلت : هذا ليس عملي ،وأنا جئت بالصدفة .
ولما اقتربوا من البلد توجهنا إلى كفل حارس بناءً على أوامر عارف ،وبعدها بساعات أرسل لنا مصطفى أبو حجلة تعالوا ،وأكلنا معه حلو حيث جاء الانجليز إليه لتهنئته بالعيد عندها زالت عني الشبهة العاطلة ،وفي اليوم الثاني حضر من عزون الشيخ رشيد عبدا لسلام ،و وجاهة البلد وأصدروا عريضة بتوقيع جميع أبناء عزون ،وهددوا عارف أنه إذا حصل لفارس أي مكروه فستكون حرب بين قريتي عزون والطيبة ،واتجهوا به ثاني يوم إلى قرية صير،وهناك تصالحوا ،وأرجع له عارف مسدسه ،فقال فارس هذا مسدس النجس حمد ،وليس مسدسي ،وكان سلاح فارس جديد ويلمع "(58).

أبدى أبناء عزون أسفهم ، وتعاطفهم معه حدثني عبدالخالق يحيى سويدان ،أن أبيه قال بهذه المناسبة :
" فخر الرجال سلاسل وقيود
وفخر النساء أساور وعقود " (59) .

يبدو أن وقفة أبناء عزون القوية كانت سبباً في العفو عنه ، وترجح على رأي فيصل عبدالرازق الذي ذهب إلى القول أن والده عفي عنه بسبب سجله و أعماله الثورية ،كما أن مصطفى الموسى زعيم دير استيا لم يرض هو الآخر عن عمل عارف عبدالرازق وتخطيطه لتصفية الثائر فارس العزوني ، بينما كان حمد زواتا ميالاً للتخلص منه، كما حدث مع حسن علي أبو نجيم .
وما من شك أن وقفة عزون القوية عجلت في الإفراج عن فارس.كما أن يقظة نمر القنبر وأسعد القاسم وغيرهم حالت دون الاستفراد بفارس وإعدامه . ويجدر الذكر أن فارس خرج إلى سوريا وتغيّب قرابة شهرين بناءً على أوامر من عارف عبدالرازق ، وعاد إلى البلاد بعد أن رحل عارف عنها .

كانت هذه المسلكيات تبرز طبيعة الشروخ العميقة داخل الثورة وضعف السيطرة عليها ، وأنها سلبية تضاف إلى سلبيات الثورة .(60).

فارس في حكم التاريخ:

كان فارس العزوني شجاعاً إلى أبعد حد وجريئاً إلى درجة التهور ، تحضره البديهة كان صلباً لا يعرف المهادنة ولا المرونة في علاقاته مع الجماهير ، خاصة إذا علمنا أنه كان شابا في قمة تطوره، وعطائه ، حيث كان عمره 27 عاماً يوم إعدامه ، وفي هذا السن كان ينقصه الحكم الرصين الهادئ ، و كان سريع التأثر بالدعايات وأعمال الدس كالقتل ، وسفك الدماء والاغتيالات على العكس من المجاهد عبدالرحيم الحاج محمد الذي رفض التورط في قتل أشخاص ورغم ذلك أتهم باغتيال أخوين من آل أرشيد ،كما أن عارف اتهم أيضاً بالاغتيالات، ومثله رفيقه عبدالله الأسعد ، وما من شك أن عدداً من المشبوهين والمندسين وبعض المخاتير حاولوا تخريب مسار الثورة سواءً بالتأثير عليها أو الممارسة باسمها .ومثل ذلك فعل بعض مخاتير القرى القريبة من عزون ، وقد أثبتت الأيام أن بعضهم كان على اتصال مع بريطانيا وحزب المعارضة .

في رأي الباحث أن فارس كان أبن مرحلته، حيث لم تسلم الثورة من أعمال الاغتيال ، وكان هذا التصرف دأب الكثيرين منهم ،ومما يؤسف له أن شراع الثورة أخذ يغرق في الاغتيالات في عام 1939 ، بينما اتجهت المعارضة وجهة سافرة وعملت عصابات السلام العميلة بملاحقة الثوار والهجوم على قرى عدد من القادة مما استنزف القوى الثورية وأنهكها وقوى جبهة الأعداء من بريطانيين وصهاينة .
ومما يؤسف له أن الثائر عبدالله الأسعد في عتيل كان هو الآخر أصدر أوامره بإعدام مجموعة من النساء ،وكانت صحيفة الجهاد تشير إلى مسؤولية المتوكل على الله (عارف عبدالرازق )عن القتل وتتهمه بكونه الساعد المتطرف للمفتي ، وعددت الثورة أكثر من 70 شخصاً أعطى أوامر باغتيالهم (61).
وفي ظل محدودية وغياب الرؤية الثورية ،و النظرية الثورية ، كان لابد لقائد فصيل الموت الشاب فارس أن يمارس العمل الفردي الذي يهوى وان يتورط في أعمال منافية للثورية ، وهي أعمال كانت نتائجها سلبية ومخاطرها جسيمة على الثورة والثوار .
يبدو أن فارس كان يطيع أوامر قائد البلاد سماحة الحاج آمين الحسيني ، وهذا يفسر إعدامه لعدة أشخاص من قرى رام الله وغيرها ، وإلا ما الذي يجعله يقوم بعمليات اغتيال وإعدام للعملاء في يافا ومنطقة رام الله وقلقيلية وطوباس .

ورغم كل الأخطاء المذكورة إلا أن ابنا ء المنطقة لا ينسوا آن فارس كان مضرب المثل في شجاعته ، كما انه لم يتورط أثناء الثورة في شبهة مع أي من النساء ، كما أنه حاول جهده إحياء الثورة في ظل تراجع الآخرين من القادة وهذا سر قيامه بعملية رأس العين بعد أن رجع من سوريا إلى فلسطين في أواخر شهر نيسان 1939 بينما كان قائده عارف عبدالرازق قد شد الرحال خارج فلسطين ووصلت أخبار عبوره دمشق في 12/4/ 1939.

كما أن فارس لا يشك في وطنيته، بينما كان بعض القادة في ثورة 1936 متهمين بارتباطات. كانت سلبية الثائر فارس فقط في تسرعه في الأحكام وتنفيذه الأصم لما يأتيه من تعليمات من القيادة ،ويبقى أن أشير أن لكل ثائر دائرة وعيه ،وهذا هو الوعي الذي حكم معظم الثوار باستثناء القلائل منهم .

تعليقات

3 تعليقات
إرسال تعليق
  1. غير معرف3/07/2019

    فارس العزوني كان قاطع طرق وقاتل مأجور وتم استغلاله من قبل الثوار لكن هذا لا يجعله مناضلا على الاطلاق

    ردحذف
  2. غير معرف5/02/2019

    الله يرحمه... كانت الثورة نظيفة من اجل الوطن وليست من اجل فصيل يدافع عن دولارته وعن مبادئ غيرو مثل حاشات الذكر فتح وحماس.....اراحنا الله منهما....

    ردحذف

إرسال تعليق

محتويات المقال