سرايا عثمانية في فلسطين
كلمة «السرايا» هي لفظة تركية الأصل، مشتقة من الكلمة الفارسية «سراي» التي تعني القصر. وتشير هذه التسمية إلى القصور أو المباني الحكومية التي كانت تتمتع بأهمية إدارية كبيرة خلال فترة الحكم العثماني.
انتشرت مباني السرايا العثمانية في معظم المدن الفلسطينية، وتميّزت بهندستها الفريدة وتصاميمها الجميلة، مما جعلها اليوم من أبرز المعالم التاريخية والتراثية والسياحية في البلاد. وقد شكّلت السرايا تجسيدًا واضحًا لهيبة السلطة المركزية والمكانة الاجتماعية في المدن الفلسطينية خلال العهد العثماني، إذ لم تكن مجرد رموز حكم، بل كانت تضم مرافق متعددة الوظائف تؤدي أدوارًا إدارية وأمنية وخدماتية.
تكوّنت مباني السرايا عادةً من طابقين وقبو؛ حيث خُصّصت الطوابق السفلية لاحتجاز السجناء من الرجال والنساء في أقسام منفصلة، كما اشتملت على حمّامات وإسطبلات، وأحيانًا ثكنات عسكرية. أما الطابق العلوي فكان يضم الدوائر الحكومية ومسجدًا للصلاة، مما يعكس ارتباط الدين بالدولة في تصميم هذه المنشآت.
تميّزت مداخل السرايا بأقواسها المزخرفة ونقوشها الدقيقة، وبأبوابها الغائرة التي احتوت على ما يُعرف بـ«المَكسَلة» — أي المقاعد الجانبية المخصّصة لحراس البوابة. كما شكّلت الأفنية الواسعة عنصرًا أساسيًا في تخطيط السرايا، وكانت تُستخدم لعقد الاجتماعات الرسمية والمناسبات الاحتفالية. أحاطت بهذه الأفنية أروقة من الطابق الأول تُستخدم كممرات مغطاة تسهّل الحركة، وتعكس أعمدتها المزخرفة وتيجانها الفخمة الهيبة المعمارية والرمزية للسلطة.
أما السلالم فقد بُنيت بأسلوب مهيب؛ إذ ينقسم الدرج عادة إلى فرعين يصعدان إلى منتصف الطريق ثم يلتقيان ويصعدان مجددًا نحو الطابق الأول، في تصميم معماري درامي يُضفي فخامة على البناء. وتظهر في العديد من السرايا نوافذ دائرية تُعرف باسم «الروزانة»، قد تكون بسيطة أو مزخرفة، تؤدي دورًا مزدوجًا جماليًا وإنشائيًا، إذ تسمح بدخول الضوء الطبيعي وتُشكّل ظلالًا ناعمة تعزّز جماليات الفضاء الداخلي.
ورغم أن معظم هذه المباني لم تصمد ماديًا حتى يومنا هذا، فإن دلالاتها المعمارية والثقافية لا تزال حاضرة في الذاكرة التاريخية الفلسطينية. فالكثير من السرايا الباقية فقدت وظيفتها الأصلية، إذ تحوّلت إلى استخدامات مختلفة أو تُركت مهجورة، لكنها ما زالت شاهدة على مرحلة مهمة من التاريخ العمراني والإداري في فلسطين العثمانية.
السرايا العثمانية في نابلس
تقع سرايا الحكم العثماني في مدينة نابلس وسط باب الساحة، مقابل برج الساعة القديم وجامع النصر، وتُعدّ من أبرز المباني التي تعود إلى العهد العثماني في المدينة. كانت السرايا تضمّ عددًا من الدوائر والمؤسسات الحكومية التي مثّلت مركز الإدارة العثمانية في نابلس، وبلغ عددها نحو أربع عشرة دائرة، من بينها دائرة آثار نابلس. كما كانت مقرّ الوالي التركي المسؤول عن إدارة شؤون المدينة.
مع نهاية الحكم العثماني، تحوّلت السرايا إلى دور سكنية، وفقدت وظيفتها الإدارية الأصلية. وقد تعرّض المبنى لأضرار جسيمة خلال الاجتياح الإسرائيلي لمدينة نابلس في نيسان/أبريل عام 2002م، إذ قصفت قوات الاحتلال الجزء العلوي الشمالي منه، ما أدى إلى تدمير الأسقف والواجهات.
يُستخدم اليوم جزء من مبنى السرايا كمساكن لبعض الأسر، في حين جرى تحويل الجزء الآخر إلى محال تجارية.
تشير المصادر إلى أن تاريخ بناء السرايا أو إعادة بنائها يعود إلى القرن العاشر الهجري / السادس عشر الميلادي، وقد كانت تُعدّ من أضخم المباني الإدارية في نابلس، إذ تتألف من طابقين وعدة أجنحة معمارية. كانت تضم جميع دوائر الحكومة العثمانية المحلية، إلا أنها أُهملت بعد خروج العثمانيين من المدينة، ثم استُخدمت لاحقًا كسكنٍ ومعملٍ للحلويات.
ورغم ما لحق بها من دمار وتغيّر في الاستخدام، لا تزال سرايا نابلس العثمانية تحمل قيمة تاريخية ومعمارية كبيرة، وتشهد على الدور الإداري والسياسي الذي أدّته المدينة في ظل الحكم العثماني.
السرايا العثمانية في طولكرم
شُيّد مبنى السرايا في طولكرم سنة 1893م في أواخر العهد العثماني في فلسطين، ليكون مقرًا إداريًا لدوائر الحكومة العثمانية، كما ضمّ في تلك الفترة مقرّ بلدية طولكرم، وذلك بعد أن أصبحت المدينة مركزًا لقضاء بني صعب عام 1886م.
يعلو مدخل المبنى نقش حجري شعري مؤرخ لتاريخ إنشائه، يبيّن أنه بُني في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، وفي فترة والي بيروت خالد بابان. ويذكر النقش أيضًا اسم حسين، والي قضاء نابلس، إضافة إلى صالح الركابي الذي كان أول من أسّس المقامات في طولكرم. ولا يزال المبنى قائمًا منذ ذلك العهد، محتفظًا بجزء كبير من طابعه المعماري الأصلي.
خلال الحرب العالمية الأولى، استُخدم المبنى مقرًا للجيش العثماني، ثم تحوّل في عهد الانتداب البريطاني إلى مكتب إداري، ومعتقل، ومركز ثقافي. وفي عام 1946م، انتقلت ملكيته إلى بلدية طولكرم بعد أن اشترته من الحكومة البريطانية بمبلغ خمسة آلاف جنيه فلسطيني.
بعد نكبة عام 1948، وخلال فترة الحكم الأردني، استُخدم المبنى مدرسةً للاجئين. ومع قيام السلطة الوطنية الفلسطينية، خُصّص الطابق العلوي في البداية كمقرّ لأجهزة الأمن الفلسطينية، بينما استخدم الطابق الأرضي مقرًا لمنظمة التحرير الفلسطينية ومركزًا لشرطة المدينة.
وفي عام 2009م، خضع مبنى السرايا لعملية ترميم وتجديد شاملة، أُعيد خلالها توظيفه ليصبح الطابق العلوي نُزُلًا وبيت ضيافة، والطابق الأرضي سوقًا ومركزًا للمعلومات السياحية، إضافة إلى قاعة للمؤتمرات والندوات.
بهذا، ظلّت سرايا طولكرم العثمانية شاهدًا حيًا على التحولات السياسية والإدارية التي مرّت بها المدينة، كما تمثّل اليوم نموذجًا مميزًا لإحياء التراث العثماني عبر توظيفه في خدمة السياحة والثقافة المحلية.
السرايا العثمانية في جنين
يقع مبنى السرايا العثمانية في جنين في قلب المدينة، مقابل مسجد جنين الكبير من الجهة الشرقية. وقد شُيّد هذا المبنى عام 1883م بأمر من والي صيدا ليكون مقرًا للحاكم وسكنًا له، لذلك أطلق عليه اسم «دار السرايا» أي دار الحاكم.
كان المبنى يضمّ في داخله سجنًا وإسطبلًا ومقرًا للضيافة، مما يعكس تعدّد الوظائف الإدارية والخدمية التي أدّاها خلال العهد العثماني. ومع مرور الزمن وتغيّر أنظمة الحكم، استُخدم المبنى لأغراض مختلفة؛ ففي فترة الحكم الأردني تحوّل إلى مقرّ للدوائر الحكومية والمحكمة الشرعية، ثم أصبح لاحقًا مقرًّا لبلدية جنين.
وفي عام 1955م، حُوّل المبنى إلى مدرسة حطين الإعدادية للبنين، واستمر كذلك حتى عام 1978م، حيث تحوّل إلى مدرسة للبنات تحت اسم «مدرسة فاطمة خاتون»، نسبةً إلى فاطمة خاتون ابنة أبي الفضل محمد بن السلطان قانصوة الغوري، التي كانت قد أنشأت المسجد المقابل للسرايا في وقتٍ سابق.
يتألف مبنى السرايا من طابقين يحيطان بساحة مركزية واسعة. يحتوي الطابق الأرضي على ستة عقود حجرية وسُلّمين متقابلين يؤديان إلى الطابق العلوي، الذي يتكوّن من أروقة تأخذ شكل حرف U، بينما يغطي المبنى سقفٌ مقبّب من القرميد يعتمد على عقود متقاطعة. ويتميّز مدخل السرايا بأقواسه المتداخلة، وعلى جانبيه شباكان حجريان يضفيان على الواجهة طابعًا زخرفيًا فريدًا.
تُعدّ سرايا جنين العثمانية نموذجًا مميّزًا للهندسة الإدارية في أواخر القرن التاسع عشر، إذ جمعت بين الوظيفة الرسمية والطابع السكني في آنٍ واحد، كما ظلّت شاهدة على تعاقب الأدوار السياسية والتعليمية التي عرفتها المدينة حتى يومنا هذا
السرايا العثمانية في قلقيلية
يُعدّ مبنى السرايا العثمانية في قلقيلية من المعالم الإدارية البارزة التي تعود إلى أواخر العهد العثماني، إذ شُيّد عام 1913م ليكون مقرًا إداريًا رسميًا، عُرف آنذاك باسم «السرايا»، وكان مقرًا لما يُعرف بـقيادة الناحية في تلك الفترة.
تضمّنت السرايا ساحة داخلية وعددًا من المرافق الخدمية، من بينها غرفة للتوقيف وأخرى لتخزين العتاد العسكري. كما وُجد في أحد أروقة المبنى عقد نصف برميلي يحتوي على قطعة حديدية يُعتقد أنها كانت تُستخدم كمشنقة خلال العهد العثماني، ما يعكس الدور الأمني والسلطوي للمبنى في تلك المرحلة.
خضع مبنى السرايا لعملية ترميم شاملة في فترات لاحقة، شملت إضافة جدار خلفي داعم للواجهة الأصلية جرى تغطيته بالقصارة الخشبية (الشبريز)، امتدت هذه الإضافة لتشمل الطابق الأرضي وجزءًا من الطابق الأول. كما جرى استبدال سقف العلية القديم بسقفٍ إسمنتي حديث مقصور بطبقة من القصارة الإسمنتية، إلى جانب تجديد سقف المدخل الرئيسي بعد تآكل السقف الأصلي.
ويُستخدم المبنى اليوم مدرسةً حكومية تحمل اسم “مدرسة المرابطين الأساسية”، محافظًا بذلك على استمرارية وظيفته كمركز خدمة للمجتمع، وإن تغيّر دوره من مقرٍّ إداري عثماني إلى مؤسسة تعليمية حديثة.
تُعدّ سرايا قلقيلية العثمانية مثالًا مهمًا على العمارة الإدارية المتأخرة في العهد العثماني، إذ تجمع بين الصلابة العسكرية والبساطة الوظيفية، وتُبرز الجهود الحديثة في ترميم المباني التراثية وإعادة توظيفها لخدمة الأجيال الجديدة.
السرايا العثمانية في القدس
تُعدّ مدينة القدس من أغنى المدن الفلسطينية بالمباني الإدارية والعسكرية التي تعود إلى العهد العثماني، حيث احتضنت عددًا من السرايا والمقارّ الرسمية التي عكست مكانة المدينة الدينية والإدارية في الدولة العثمانية. ومن أبرز هذه المباني:
السرايا القديمة – المدرسة الجاولية
تقع المدرسة الجاولية عند الزاوية الشمالية الغربية من الحرم القدسي الشريف، وتُعدّ واحدة من أقدم المعالم التاريخية في المدينة. أنشأها الأمير علم الدين سنجر الجاولي، نائب غزة والقدس، بين عامي 715هـ / 1315م و720هـ / 1320م، لتكون مدرسة علمية تحمل اسمه.
يُعتقد أن البناء الأصلي يعود إلى العصر الروماني، حيث كان الموقع قلعة أو برجًا استخدمه الرومان مقرًّا للولاة، ويُقال إن بيلاطس البنطي – الوالي الروماني الذي حاكم المسيح – أقام فيه.
في أوائل القرن التاسع الهجري تحوّلت المدرسة إلى مقرّ سكني لنواب القدس، ثم أعاد العثمانيون استخدامها في أواخر القرن العاشر الهجري كـدار للحكم عُرفت باسم «السرايا القديمة»، وبقيت كذلك حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى.
أثناء فترة الانتداب البريطاني، وضع المجلس الإسلامي الأعلى يده على المبنى واعتبره من أملاك الوقف الإسلامي، فأنشأ فيه مدرسة «روضة المعارف الوطنية»، قبل أن يتحول إلى مقرّ للشرطة خلال الثورة العربية الكبرى (1936–1939)، ثم عاد لاحقًا إلى وظيفته التعليمية. كما يضمّ المبنى مدفن الشيخ درباس الكردي الهكّاري، أحد فقهاء القدس البارزين.
تتألف المدرسة من ثلاثة طوابق تطل على ساحة مكشوفة وعلى الحرم الشريف من الجهة الجنوبية، ويحتوي الطابق الأول على إيوانٍ جنوبي وغرف حجرية تمثّل النواة الأصلية للمبنى، في حين يضم الطابق الثاني غرفًا متوسطة الحجم ما تزال تُستخدم لأغراض تعليمية، أما الطابق الثالث فقد أُضيف في الفترة العثمانية.
السرايا العثمانية القديمة (قرب باب السلسلة)
يقع هذا المبنى في البلدة القديمة بالقرب من باب السلسلة المؤدي إلى المسجد الأقصى، وكان في العهد العثماني مقرًّا للوالي العثماني ومركزًا للإدارة والقضاء.
يُستخدم اليوم لأغراض متعدّدة، وتخضع بعض أجزائه لإشراف دائرة الأوقاف الإسلامية.
السرايا الجديدة (قرب باب الخليل)
تقع السرايا الجديدة خارج أسوار البلدة القديمة بالقرب من باب الخليل، وقد شُيّدت في أواخر العهد العثماني لتوسيع نطاق الإدارة العثمانية خارج حدود المدينة القديمة.
بعد نهاية الحكم العثماني، جرى تحويل استخدام مبانيها إلى أغراض مختلفة، وما زال بعضها يُستعمل حتى اليوم لأغراض ثقافية وإدارية.
بيت السرايا – عقبة السرايا (سوق العطارين)
عند مدخل سوق العطارين في البلدة القديمة، تؤدي الأزقة إلى منطقة تُعرف باسم «عقبة السرايا»، التي حملت اسمها من المبنى التاريخي «بيت السرايا» الذي شُيّد عام 1865م على يد محمد باشا العثماني، متصرف القدس آنذاك.
كان المبنى مقرًّا لإقامة الحكّام الأتراك في القدس حتى فترة رشيد باشا.
يتألف بيت السرايا من مبنيين توأمين؛ امتلكت عائلة القواس القسم الغربي منه عام 1922م حتى 1988م، بينما امتلك القسم الشرقي محمد صالح الجنيني ومحمد أديب الصليبي وعائلة يهودية الأصل عام 1936م، واستولت عليه لاحقًا جمعية “عطيرات كوهنيم” عام 1980م، التي أضافت بناءً مفتوحًا على السطح باتجاه المسجد الأقصى لأداء طقوس دينية.
أما القسم الغربي، فقد اشترته جمعية الرعاية العربية في القدس عام 1988م، ورمّمته خلال عامين، ليفتتح رسميًا في 14 كانون الثاني/يناير 1991م باسم «مركز السرايا لخدمة المجتمع».
يتكوّن المبنى من ثلاثة طوابق تحافظ على الأقواس والزخارف الأصلية، التي امتزجت اليوم بفنون الأطفال والأنشطة المجتمعية التي يحتضنها المركز.
القشلة في القدس
كلمة «قشلة» ذات أصل تركي، وتعني المعسكر أو الثكنة العسكرية، وقد كانت في العهد العثماني مقرًا للقوات النظامية من شرطة وجندرمة وجيش.
تُعدّ قشلة القدس من أبرز المباني العثمانية ذات الطابع العسكري، إذ أُنشئت في ثلاثينيات القرن التاسع عشر على يد إبراهيم باشا أثناء سيطرته على جنوب بلاد الشام. وقد استُخدمت لاحقًا من قبل السلطات العثمانية، ثم الانتداب البريطاني، ولاحقًا من قبل الاحتلال الإسرائيلي، محافظَةً على وظيفتها كمركز للسلطة والإدارة الأمنية.
السرايا العثمانية في عكا
تقف السرايا العثمانية في قلب مدينة عكا القديمة، شاهدة على مرحلة مفصلية من تاريخ المدينة، وتجسّد رمزًا للنفوذ العثماني الذي استمر لأكثر من أربعة قرون في بلاد الشام. شُيّدت هذه السرايا خلال القرن الثامن عشر في عهد الوالي أحمد باشا الجزار، أحد أبرز حكام عكا وأكثرهم تأثيرًا، الذي سعى لتحويل المدينة إلى مركز إداري وسياسي مزدهر في شرق المتوسط.
بُنيت السرايا لتكون مقرًا رسميًا للحكم والإدارة، واحتوت على مكاتب الوالي، وغرف الاجتماعات، والمحكمة، والسجن. كما أدّت دورًا عسكريًا مهمًا خلال فترات التوتر والصراع. وتبرز أهميتها التاريخية ليس فقط من خلال وظائفها الإدارية، بل أيضًا لدورها في ترسيخ السلطة العثمانية في منطقة الجليل والساحل الفلسطيني، حيث كانت تمثل مركز القرار في تلك الحقبة.
تعكس السرايا الطراز العثماني التقليدي الممزوج بلمسات محلية؛ فقد شُيّدت من الحجارة الكلسية الصلبة، وتضم واجهات مزينة بالأقواس والنقوش الإسلامية. تؤدي بوابة كبيرة مزخرفة إلى ساحة داخلية فسيحة تحيط بها الغرف، وتعلو بعض أجزاء المبنى قباب وقناطر ذات طابع مملوكي عثماني. ويبرز في تصميمها الانسجام بين القوة المعمارية والوظائف العملية التي أدّتها على مدى قرون.
مع مرور الزمن وتبدل السلطات، تنوعت استخدامات السرايا؛ ففي العهد البريطاني استخدمت كمكاتب إدارية، ثم دخلت مرحلة الإهمال النسبي بعد نكبة 1948، قبل أن تُدرج ضمن مشاريع الترميم والحفاظ على التراث في البلدة القديمة لعكا. اليوم، تُعتبر السرايا من أبرز المعالم الأثرية في المدينة ومقصدًا للزوار والمهتمين بالتاريخ العثماني والهندسة المعمارية الإسلامية.
تُعدّ السرايا العثمانية في عكا ذاكرة معمارية وتاريخية وجزءًا من الهوية الثقافية الفلسطينية؛ إذ تروي أحجارها قصة مدينة قاومت الغزاة وازدهرت بالحضارات، ولا تزال حاضرة بكل عظمتها بين أسوارها العتيقة وأزقتها الضيقة.
دار حكومة عكا
بُنيت دار حكومة عكا عام 1850م، وتحول المبنى لاحقًا إلى مدرسة للبنات في عهد الانتداب البريطاني، ثم بعد النكبة أصبح مدرسة مختلطة باسم “مدرسة أبو سري”. واليوم، يُستخدم المبنى كمركز جماهيري يخدم المجتمع المحلي.
السرايا العثمانية في غزة
تُعدّ السرايا العثمانية في مدينة غزة من أبرز المعالم التاريخية التي تجسّد الحضور العثماني في فلسطين، وتُشير إلى الدور الإداري والعسكري الذي أدته المدينة خلال الحكم العثماني، الذي امتد من مطلع القرن السادس عشر حتى نهاية الحرب العالمية الأولى.
شُيّدت السرايا في وسط مدينة غزة التاريخية خلال القرن السابع عشر أو أوائل القرن الثامن عشر، واستخدمت مقرًا للوالي العثماني ومركزًا للإدارة المحلية. احتضنت المباني مكاتب الدولة، المحكمة الشرعية، والسجن، إضافة إلى الوظائف الأمنية والإدارية التي كانت تُمارس داخلها. وقد مثّلت السرايا رمزًا للسلطة الحاكمة، ومكانًا لحل النزاعات، وتطبيق القوانين، ومراقبة شؤون السكان المحليين.
يتميز المبنى بتصميم معماري عثماني تقليدي، يعتمد على الحجارة الرملية المتوفرة في البيئة المحلية. ويحتوي على باحة داخلية محاطة بغرف وقاعات متعددة الاستخدام، مع أقواس وأعمدة تعكس فنون العمارة الإسلامية العثمانية. ورغم بساطة البناء نسبيًا، إلا أنه يحمل دلالة رمزية كبيرة على نفوذ الدولة العثمانية في جنوب فلسطين.
تغيّرت وظائف السرايا مع تغيّر العهود السياسية؛ ففي عهد الانتداب البريطاني استُخدمت لأغراض إدارية، وفي الفترات اللاحقة أُهملت أجزاء منها، بينما بقي بعضها قائمًا، واستخدم لأغراض مدنية متفرقة. ومع ذلك، لا تزال السرايا العثمانية تمثل شاهدًا حيًا على حقبة من التاريخ الفلسطيني، وتحمل في طياتها سردية مدينة تعاقبت عليها الأمم، لكنها حافظت على هويتها وجذورها.
تقع السرايا القديمة في وسط مدينة غزة التاريخية، تحديدًا قرب ميدان فلسطين (الساحة المعروفة حاليًا باسم ساحة السرايا)، وهي المنطقة التي كانت تضم المؤسسات الإدارية العثمانية، وما تزال تُعرف بهذا الاسم حتى اليوم رغم التغيرات العمرانية.
قصر الباشا في غزة
يقع قصر الباشا في البلدة القديمة بحي الدرج في مدينة غزة، ويعود بناؤه إلى عام 1260م، بعد هزيمة السلطان قطز والظاهر بيبرس للمغول والتتار في معركة عين جالوت. أصبح بعدها الظاهر بيبرس السلطان المهم في العالم الإسلامي، وأقام مملكة ضخمة شملت مصر، الشام، جنوب أفريقيا، الحجاز، وأجزاء من العراق وتركيا. وفي هذا الإطار، أقام السلطان بيبرس القصر بأمره لوالي غزة آنذاك، الأمير جمال الدين اقوش الشقيقي.
يعبّر القصر عن العمارة الإسلامية المملوكية، ويتكون من مبنيين:
- • المبنى الشمالي: مخصص للإدارة والحكم وأركان الدولة،
- • المبنى الجنوبي: كان بيتًا لسكن الأمير وزوجته وأولاده.
في العهد العثماني، أُطلق على أمير غزة لقب «الباشا»، وهي كلمة تركية تعني “الأستاذ” أو “المربي”، فأصبح القصر يعرف باسم «قصر الباشا».
خلال فترة الاحتلال البريطاني، تحوّل القصر إلى ثكنة عسكرية أو مركز شرطة، ما أدى إلى إهماله وضياع جميع مقتنياته وتحفّه وآثاره. استمر الوضع على هذا الحال حتى عهد الملك فاروق، عندما أُنشئت فيه مدرسة الأميرة فريال، ثم تحوّل لاحقًا إلى مدرسة الزهراء.
بعد اتفاق أوسلو، تم تسليم القصر إلى وزارة السياحة والآثار في غزة، التي قامت بترميمه عام 2005، وتهيئته ليصبح متحفًا للآثار عام 2010. يضم المتحف آثار غزة عبر حقب تاريخية متعددة، تشمل اليونانية، الرومانية، البيزنطية، والإسلامية، ما يجعله شاهدًا حيًا على التاريخ العريق للمدينة.
السرايا العثمانية في بيت لحم
تُعدّ سرايا بيت لحم واحدة من المعالم العثمانية التي جسّدت حضور الدولة العثمانية في المدينة خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر. شُيّد المبنى عام 1873 على الحافة الشمالية الغربية لما يُعرف اليوم باسم ساحة المهد، ليكون مركزًا إداريًا وحكوميًا يُشرف على شؤون المدينة والمنطقة المحيطة بها.
خلال الثورة الفلسطينية الكبرى (1936–1939)، وفي يوم 14 أيلول/سبتمبر 1938، قام الثوار الفلسطينيون بإحراق مبنى السرايا إلى جانب مكتب بريد بيت لحم، في إطار أعمال المقاومة ضد سلطات الانتداب البريطاني. وردًا على ذلك، هدمت السلطات البريطانية المبنى عام 1942، وأقامت على أنقاضه مركز شرطة حديثًا بُني وفق النمط الأمني البريطاني المعروف آنذاك.
تميز المبنى الجديد بتصميم مستطيل الشكل مع زاوية بارزة على شكل برج في الجهة الجنوبية الشرقية، مستوحاة من حصون تيغارت التي أنشأتها بريطانيا في فلسطين لمواجهة التمردات والانتفاضات الشعبية. ظل مركز الشرطة قائمًا يؤدي وظيفته الأمنية حتى أواخر تسعينيات القرن العشرين، حين قررت السلطة الوطنية الفلسطينية إزالة المبنى ضمن مشروع إعادة تأهيل مركز المدينة.
في موقع السرايا القديم، أُقيم لاحقًا «مركز السلام» في بيت لحم، وهو مبنى متعدد الاستخدامات بُني ليخدم أغراضًا ثقافية وإدارية. وخلال أعمال الحفر لتأسيس المبنى الجديد، كُشفت طبقات أثرية مهمة تعود إلى مدينة بيت لحم القديمة، لا تزال أجزاء منها ظاهرة حتى اليوم في الطابق السفلي من المبنى، الذي يُستخدم جزئيًا كمركز للشرطة.
تُمثّل قصة سرايا بيت لحم نموذجًا حيًا لتحوّلات المشهد العمراني والسياسي في المدينة؛ إذ تداخلت السلطة العثمانية، والاستعمار البريطاني، والنظام الفلسطيني الحديث في موقع واحد، تراكمت فيه الطبقات التاريخية فوق بعضها، بينما طُمرت رمزية السرايا كمركز للحكم تحت الأرض، ولم يبقَ منها إلا أثر في الذاكرة والصورة.
السرايا العثمانية في حيفا
تُعدّ سرايا حيفا إحدى أبرز تجليات السلطة المحلية في فلسطين خلال العهد العثماني، وقد ارتبطت نشأتها ارتباطًا وثيقًا بمشروع الشيخ ظاهر العمر الزيداني في إعادة تشكيل مدينة حيفا ومينائها في القرن الثامن عشر. ففي أعقاب خلافات مع زعماء جبل الكرمل، واستجابة لأمر من أسعد باشا العظم حاكم صيدا، استولى الشيخ ظاهر على حيفا، التي كانت تفتقر آنذاك إلى وسائل دفاعية، وحصل لاحقًا على إذن من السلطان العثماني لتحصينها، وزوّد بالمدافع التي نُصبت في برج شمالي، قريب من موقع بلدية حيفا اليوم.
قبل إعادة بناء المدينة، كانت حيفا القديمة تقع فيما يُعرف اليوم باسم حي القشلة. أمر الشيخ ظاهر بهدم المدينة القديمة وردم مينائها غير المحمي، ورأى في الموقع القديم خطرًا عسكريًا نظرًا لانكشافه؛ لذلك أسّس في عام 1758 ما عُرف بـ”العمارة الجديدة”، التي بُنيت على شريط ساحلي ضيق بين البحر وجبل الكرمل، بطول 800 متر وعرض يُقدّر بثلاثة كيلومترات عن المدينة القديمة. امتد هذا الحي الجديد من ساحة الخمرة غربًا إلى بوابة عكا شرقًا، قرب مسجد الاستقلال وصرح الملك فيصل، وكان يُشار إليه بهذا الاسم حتى مطلع القرن التاسع عشر.
عمل الشيخ ظاهر العمر على تحصين المدينة الجديدة بأسوار حجرية ضخمة وثلاثة أبراج على طول الشاطئ. بلغت مساحة المدينة نحو عشرين دونمًا، بسمك جدران بلغ 75 سم وارتفاع 4.5 أمتار، مزودة بمدافع. أنشأ أيضًا ميناء صيد، وشيّد حصنًا للمراقبة والجمارك أصبح لاحقًا مقرًا للسلطة الإدارية والسياسية، أي سرايا حيفا.
تألف مبنى السرايا من طابقين وبدروم؛ خُصّص الطابق السفلي كسجن مركزي، بينما ضم الطابق العلوي مكاتب الجمارك، والإدارة المالية، والمجلس البلدي. أمام المبنى امتدت ساحة عامة كانت مركز الحياة الاجتماعية والاقتصادية، تصل حتى جامع الجرينة وبرج الساعة الذي بُني عام 1899. وكانت هذه الساحة ملتقى أهالي حيفا وزوارها من القرى المحيطة.
شهدت السرايا عدة تحولات مع تعاقب القوى الحاكمة؛ إذ جُدّدت خلال فترة الحكم المصري (1831–1840) في عهد إبراهيم باشا، واستُخدمت لاحقًا مقرًا إداريًا في عهد الانتداب البريطاني، قبل أن تُستبدل بمبنى حكومي مقابل مقر بلدية حيفا الحالي. كانت السرايا آنذاك مقرًا للحاكم المحلي، الذي ترأس مجلسًا قضائيًا يُمثّل المدينة والقرى المجاورة.
لكن في أعقاب نكبة 1948، وفي عام 1949، قررت بلدية حيفا بقيادة شبتاي ليفي تنفيذ مشروع “شيكمونا” الهادف إلى إزالة المدينة العربية، باستثناء أماكن العبادة، لصالح مشاريع عمرانية إسرائيلية. تقرر هدم سرايا حيفا بإشراف أبا حوشي، الذي خلف ليفي في رئاسة البلدية. أُقيمت في البداية حديقة عامة مكان السرايا، لكنها أُزيلت لاحقًا لتفسح المجال أمام مبنى مكتب البريد المركزي. وفي عام 2002، بُني على أنقاض السرايا وساحتها الواسعة برج الشراع، كمجمع للمكاتب الحكومية الإسرائيلية.
لم يتبقَ من سرايا حيفا سوى اسمها الذي تحمله اليوم أحد شوارع المدينة، فيما غابت المعالم المادية تمامًا. ومع شق الطرق الجديدة وظهور الأبنية الحديثة، اختفى المشهد العمراني والثقافي الذي ميّز حيفا كمدينة عربية نابضة بالحياة، كان فيها الميناء والسوق والسرايا يشكلون قلبًا إداريًا وتجاريًا نابضًا
السرايا العثمانية في يافا
كان القرن الثامن عشر فترة صعبة على مدينة يافا؛ إذ تعرضت لعدد من الأزمات والمآسي. وبحلول عام 1763، كانت المدينة محاطة بسور ضخم يضم أكثر من أربعمائة منزل، لكنها عانت من مجازر دامية، أبرزها مجزرة عام 1775 التي نفذها محمد أبو الدهب ورفيق علي بك الأقرب، وأسفرت عن مقتل عدد كبير من السكان. كما شهدت المدينة في عام 1799 غزو نابليون، حيث ذبح الجيش الفرنسي ما لا يقل عن ستة آلاف جندي ومدني في المدينة، في واحدة من أبشع فصول تاريخها.
مع حلول القرن التاسع عشر، دخلت يافا فترة أكثر استقرارًا وازدهارًا، خاصة في عهد الحاكم العثماني محمد آغا أبو نبوت (1807-1818)، ثم خلال الحكم المصري (1831-1840)، حيث شُيّدت العديد من الضواحي الجديدة، مع بداية انفتاح المدينة على العالم الخارجي.
شهد عام 1892 تحولًا مهمًا بتمديد خط سكة حديد يربط بين يافا والقدس بعد افتتاح قناة السويس، ما عزز مكانة يافا كمركز تجاري وحضري. وفي عام 1901، شُيّد برج الساعة احتفالًا بالذكرى الخامسة والعشرين لحكم السلطان عبد الحميد الثاني، بينما تأسست عام 1909 مدينة تل أبيب شمال يافا، ما مثل بداية التوسع الحضري الكبير في المنطقة.
عرفت يافا سرايان رئيسيان يحملان اسم السرايا، يعكسان تطور المدينة على مر العصور:
- • السرايا الأولى: شيدها محمد آغا أبو نبوت، وكانت مقرًا للجيش العثماني. بعد انتهاء العهد العثماني، تحولت إلى مصنع صابون الأكبر في فلسطين، مملوكًا لحنا داود دمياني. استضاف المبنى أيضًا مكاتب الدوائر الحكومية في أوائل القرن التاسع عشر، وظل مركزًا إداريًا مهمًا حتى بداية نقل هذه الوظائف إلى السرايا الجديدة.
- • السرايا الجديدة: بُنيت في منطقة القشلة حول ساحة برج الساعة، عقب هدم أسوار المدينة للسماح بالتوسع الحضري. جرى تصميم المبنى على الطراز الكلاسيكي الجديد، الذي يعكس بوضوح التأثيرات الأوروبية الحديثة على العمارة الشرقية، ويجسد رغبة الإمبراطورية العثمانية في الظهور بمظهر التحديث والعصرنة. تتميز السرايا الجديدة بواجهتها المزخرفة التي تم ترميمها جزئيًا، وبسلالمها المهيبة التي تؤدي إلى المدخل الأمامي، والتي تعكس المستوى الرفيع في تقنيات ومواد البناء آنذاك.
تجسد سرايا يافا بشكل واضح الانتقال من المدينة المحصنة التقليدية إلى مدينة حديثة منفتحة على العصر والتطور؛ إذ كانت هذه المباني مراكز للسلطة العسكرية والإدارية، وشاهدة على تحولات تاريخية عميقة في المدينة، التي كانت واحدة من أهم موانئ فلسطين على الساحل.
السرايا العثمانية في الخليل
تقع سرايا الحكومة العثمانية، المعروفة باسم دار مردم بيك، في بداية الطريق المؤدي إلى حارة القريون، مقابل برج الساعة في البلدة القديمة من الخليل.
كان المبنى مجمعًا كبيرًا يضم عدة مبانٍ، واستخدم مقرًا للحاكم العثماني وكمركز للإدارة والقضاء، ليكون قلب السلطة المحلية في المدينة خلال العهد العثماني.
اليوم، لا يزال المبنى قائمًا ويُعتبر من المعالم التاريخية البارزة في الخليل، شاهداً على الدور الإداري والسياسي للسرايا العثمانية في المدينة
السرايا العثمانية في بئر السبع
تُعدّ سرايا بئر السبع مبنىً حكوميًا تاريخيًا بُني عام 1901 في البلدة القديمة لمدينة بئر السبع خلال العهد العثماني، بأمر من والي المدينة آصف بك الدمشقي. يُعتبر هذا المبنى أول منشأة عامة في المدينة، ويقع على تل في الجزء الشمالي من جادة كيرين كيميت للمشاة.
يتكون المبنى من طابقين وثلاثة أقواس وقاعة كبيرة وسقف من القرميد الأحمر، ما يعكس مزيجًا من الطرازين التركي والأوروبي في العمارة. خلال الحقبة العثمانية، استخدم الحكام المحليون المبنى مقرًا إداريًا؛ فقد كان الطابق السفلي يضم مكاتب حكومية، بينما خُصص الطابق العلوي لسكن الحاكم وعائلته. وأُقيم بجوار السرايا مبانٍ حكومية أخرى مثل: مقر الشرطة، والمجلس البلدي، ومكتب الطابو، والمحكمة.
في فترة الانتداب البريطاني، أُضيف إلى المبنى جناح جديد يضم دائرة الطابو ومحكمة الصلح البدوية. وفي عام 1938، خلال الثورة العربية الكبرى، أُضرمت النيران في المبنى، ما أدى إلى احتراق سقفه الخشبي، فاستُبدل بسقف خرساني. لاحقًا، استُخدم المبنى مدرسةً للبنات، وأُضيفت إليه مبانٍ حكومية أخرى، بما في ذلك مبنى للشرطة من نوع تيجارت.
أثناء حرب 1948 تحصن الجيش المصري في دار السرايا، لكنه استسلم بعد تهديد الجيش الإسرائيلي بقصف مباشر. اليوم، يُستخدم المبنى مركزًا لشرطة بئر السبع ومقرًا للقيادة الجنوبية للجيش الإسرائيلي.
يُعتبر مبنى السرايا شاهدًا على التاريخ الإداري والسياسي لمدينة بئر السبع، ويعكس التحولات التي مرت بها المدينة من العهد العثماني، مرورًا بالانتداب البريطاني، وصولًا إلى الاحتلال الإسرائيلي.
السرايا العثمانية في طبريا
تُعدّ السرايا العثمانية في طبريا من أبرز المعالم التاريخية التي تعكس أهمية المدينة خلال العهد العثماني. بُنيت هذه السرايا في وسط المدينة، واستخدمت مقرًا للإدارة العثمانية، فقد احتضنت مكاتب حكومية وسكنًا للحاكم. ويتميز المبنى بتصميمه المعماري الذي يجمع بين الطرازين العثماني والأوروبي، ما يعكس التأثيرات الثقافية المتنوعة التي شهدتها المدينة.
خلال فترة حكم ظاهر العمر الزيداني في القرن الثامن عشر، شهدت طبريا نهضة عمرانية ملحوظة، إذ أعيد بناء أسوار المدينة وتحصينها، ما ساهم في تعزيز مكانتها كمركز إداري وتجاري في المنطقة. وقد لعبت السرايا دورًا محوريًا في هذا السياق، إذ كانت مركزًا للسلطة والإدارة.
على الرغم من التغيرات التي طرأت على المدينة بعد عام 1948، بما في ذلك تهجير السكان العرب وتغيير معالمها العمرانية، لا تزال السرايا العثمانية قائمة، تشهد على تاريخ المدينة العريق. وتُعدّ من المعالم التي تُذكّر بالأهمية التاريخية لطبريا ودورها في الفترات المختلفة من تاريخ فلسطين
السرايا العثمانية في صفد
تُعدّ السرايا العثمانية في صفد من أبرز المعالم التاريخية التي تعكس أهمية المدينة خلال العهد العثماني. بُنيت هذه السرايا في عشرينات القرن الثامن عشر بأمر من ظاهر العمر الزيداني، واستخدمت مقرًا للإدارة العثمانية، فقد احتضنت مكاتب حكومية وسكنًا للحاكم. ويتميز المبنى بتصميمه المعماري الذي يجمع بين الطرازين العثماني والأوروبي، ما يعكس التأثيرات الثقافية المتنوعة التي شهدتها المدينة.
في عام 1901، أُضيف إلى السرايا برج الساعة الحميدية، وهو واحد من سبعة أبراج شُيّدت في مدن فلسطينية احتفالًا باليوبيل الفضي لتولي السلطان عبد الحميد الثاني العرش العثماني. خلال فترة الانتداب البريطاني، استُخدمت السرايا مقرًا إداريًا، وفي عام 1948 كانت مقرًا للجيش الإنقاذ.
بعد تهجير سكان المدينة العرب، استُخدم المبنى مقرًا للجنود القادمين الجدد، ثم وضعت بلدية صفد يدها على المبنى، فصار مركزًا جماهيريًا يخدم المجتمع المحلي ويحتفظ بذاكرة المدينة العريقة
السرايا العثمانية في الناصرة
تُعدّ سرايا الناصرة من أبرز المعالم التاريخية في قلب البلدة القديمة، ويعود تاريخ إنشائها إلى الحقبة العثمانية في القرن الثامن عشر، حيث شُيّدت بين عامي 1730 و1740 بأمر من الحاكم المحلي ظاهر العمر الزيداني. استخدمت السرايا مقرًا لحكم ظاهر العمر وإدارة شؤون مدينة الناصرة ومحيطها، بما في ذلك منطقة مرج ابن عامر، كما اتخذها مقرًا لسكنه الشخصي.
يتكون المبنى من جناحين رئيسيين: جناح خاص للسكن يُعرف بـ”الحرملك”، وآخر مخصص لاستقبال الضيوف والزوار يُعرف بـ”السلملك”، بالإضافة إلى معتقل وإسطبلات. ونظرًا لغياب المساجد في المدينة آنذاك، خصص ظاهر العمر قاعة في السرايا مصلى للمسلمين، إلى أن اكتمل بناء الجامع الأبيض في عام 1812.
شهد المبنى توسعات وتحسينات لاحقة؛ ففي منتصف القرن التاسع عشر أُضيف رواق في الطابق العلوي. وفي مطلع القرن العشرين، شُيّد برج ساعة بأسلوب عصر النهضة الإيطالي احتفاءً بمرور 25 عامًا على جلوس السلطان عبد الحميد الثاني على العرش العثماني، ليلتحق بأبراج مشابهة في القدس، ويافا، وحيفا، وعكا، وصفد، ونابلس.
استمر استخدام مبنى السرايا مركزًا إداريًا لإدارة المدينة حتى عام 1991، حين انتقلت بلدية الناصرة إلى مقر جديد. وفي السنوات الأخيرة، شرعت بلدية الناصرة في مشروع ترميم شامل للمبنى يهدف إلى تحويله إلى متحف يُبرز تاريخ المدينة، وقد شملت المرحلة الأولى من المشروع تعزيز البنية التحتية وتقوية العناصر الإنشائية للحفاظ على هذا المعلم التاريخي العريق.

















تعليقات
إرسال تعليق